إن شخصا يقوم بكل ذلك، ينشئ أمة مثالا من عدم، ويهيب بها وفية، لتكون قائدة رائدة- في ذلك الزمان والوسائل- للبشرية كلها، وتدير دفة التاريخ وتحوز مقوده وتحوّل مجراه وتستديره إلى حاله يوم خلق الله
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي، (١٤/ ١٢٢)، (٢٠/ ١٦٥) . وقد أخرجه البخاري. روى أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحّمون فيها» . كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، رقم (٦١١٨)، (٥/ ٢٣٧٩) .
[ ٢٢٧ ]
السموات والأرض «١»، وتملك الزمام وتسيّر موكب الإنسانية وتنشر آثارها وتقدم ثمارها لكل أهل الأرض، تابعها وغيره. وما زال المستقبل لها- إن شاء الله تعالى- بجولات وصولات قادمات. تلك طبيعتها وطبيعة الحياة وحاجة الإنسان، وتقوم بتلك الإنجازات والفتوحات، لا شك أنه نبي من عند الله ورسول منه ﷾. وهو خاتمهم- الأنبياء والرسل، ﵈- به ﷺ ختم الله النبوات والرسالات، هيأه وأعده لهذه المهمة، أوحى إليه وسدده وأعانه ونصره ونشر دينه وأجرى المعجزات على يديه.
والقرآن الكريم هو معجزة هذا الدين الكبرى الدائمة الباقية المتجددة المبينة المهيمنة الأكيدة، كل يوم تظهر من جوانبه أعاجيب ومعجزات وآيات جديدة. والقرآن الكريم وحي الله وهداه، بكل حروفه وكلماته وآياته، نصا ومعنى وترتيبا، تشرحه وتوضحه السنة المطهرة وتنشره السيرة النبوية الشريفة.
وإن نبيا يحمل هذا المنهج الإلهي، الذي أنزله الله تعالى هدى ونورا للبشرية، وينفذه ويقيم به مجتمعا مثالا، تطبق فيه كل تلك المعاني الموحى بها والتعاليم التي أنزلها الله تعالى في ذلك الزمان بأحواله ووسائله، وتنشر دعوته وتنصر، ويقبل عليها الناس وتقيم مجتمعا مثالا لوقتهم وللأجيال التالية بعدها وهم ثلّة ضعيفة صغيرة كان يسخر منها «٢» ومن أهدافها. وكان أهل الدعوة في ضيق لا يدعو للأمل- لولا نصر الله- إلى درجة أن أحد أوائل المسلمين وهو خباب بن الأرت «٣» جرى معه مثل هذا، فيحدثنا عنه بقوله:
_________________
(١) مقتبس مما قاله الرسول الكريم ﷺ في خطبة حجة الوداع: «أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» . مجموعة الوثائق السياسية، (٣٦٥) .
(٢) سيرة ابن هشام، (١/ ٣١٣، ٣٢٠، ٣٥١) . شرح الخشني، (١/ ٣٨٧، ٣٩٦، ٤٣١) .
(٣) خبّاب بن الأرت (٣٧ هـ ٦٥٧ م) كان في الجاهلية قينا (عبدا أو حدادا)، يعمل السيوف بمكة. أسلم قديما، فهو من السابقين الأولين للإسلام. قيل: سادس ستة،
[ ٢٢٨ ]
شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟
فقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصرفه عن ذلك، والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» «١» .
لا شك أنه الدين الذي أوحاه الله وارتضاه ﷾ للعالمين.