والسيرة هي التي احتوت الصيغ العملية للإسلام كله، قرآنا وسنّة، وبكل قواعدهما وأسسهما وأجوائهما، شمولا للحياة، وبناء عليها.
ولمّا بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، في السنة التاسعة للهجرة، أوصاه بالأخذ بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ والاستمداد منهما.
فلقد ورد عن معاذ أنه قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال:
«كيف تقضي إذا عرض لك قضاء»؟ قال: قلت: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله»؟ قال: فبسنّة رسول الله، قال: «فإن لم تجد في سنّة رسول الله»؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو (لا أقصّر) . قال:
فضرب رسول الله ﷺ صدري، وقال: «الحمد الله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» «٢» .
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٣٦) .
(٢) رواه أبو داود (رقم ٣٥٩٢، ٣٥٩٣)، كتاب الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء. والترمذي (رقم ١٣٢٧، ١٣٢٨)، كتاب الأحكام، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي. جامع الأصول (١٠/ ١٧٧) . انظر كذلك: البخاري: كتاب المغازي، باب: بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع (رقم ٤٠٨٦- ٤٠٨٨/ ٤) . وكان رسول الله ﷺ حين أرسل معاذا إلى اليمن في هذه المهمة خرج يودّعه ويوصيه ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ، قال: «يا معاذ! إنك عسى ألّا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا أو قبري» . فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله ﷺ. وقد حدث هذا فعلا، (إذ لم يزل في اليمن حتى توفي
[ ٥٦ ]
فاستقى المسلمون من هذه الينابيع، عقيدة وعبادة وشريعة وتعاليم صافية نقيّة، وأسّسوا أنفسهم وفكرهم وحياتهم عليها، بحيث إنّ الرسول الكريم ﷺ غضب يوما، وحتى تغيّر وجهه، حين رأى شيئا من التوراة بيد عمر بن الخطاب، ففهم عمر ذلك، وقال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، فسرّي عن رسول الله ﷺ وقال: «وإنه والله لو كان موسى حيّا بين أظهركم ما حلّ له إلّا أن يتبعني» «١» (من عدة أحاديث) . وفي حديث آخر: «لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلّا اتّباعي» «٢» وفي رواية أخرى أنّ عمر بن الخطاب قال للرسول الكريم ﷺ:
إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال:
«أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي» «٣» .
ولقد عاش جيل الصحابة﵃- على الإسلام، قرآنا وسنّة وسيرة، ومثّلوها في كلّ أعمالهم وأمورهم، وحافظوا عليها وحفظوها،
_________________
(١) رسول الله ﷺ) . أسد الغابة (٥/ ١٩٥) . «الجشع»: الجزع لفراق الإلف. ثم التفت فأقبل بوجهه ﷺ نحو المدينة فقال: «إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا» . المسند (٥/ ٢٣٥) . انظر كذلك: سير أعلام النبلاء (١/ ٤٤٨) . السيرة النبوية، ابن كثير (٤/ ١٩١- ١٩٤) . الاستيعاب (٣/ ١٤٠٢- ١٤٠٧) (رقم ٢٤١٦) . وتجد في هذا المصادر معلومات وافية عن معاذ بن جبل الصحابي الجليل والعالم النبيل والمجاهد الكريم، أعلم الأمة بالحرام والحلال، والذي يكون (إمام العلماء يوم القيامة برتوة أو رتوتين، والذي كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ [النحل: ١٢٠] في تعليمه للخير والائتمام به وطاعته لله ﷿، ﵁ وأرضاه، وجمعنا به في مستقر رحمته، تحت راية الرسول الكريم ﷺ، آمين. الأساس في السنة (٤/ ٢٠١٥) . أسد الغابة (٥/ ١٩٦- ١٩٧) .
(٢) مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٦٥) . سنن الدارمي (١/ ١١٥) .
(٣) التفسير (١/ ٤٣٩) .
(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٨٧) . «التّهوّك»: التحير أو التهور، والوقوع في الشيء بلا مبالاة.
[ ٥٧ ]
بكل طريقة وبسلوكهم، معبّرين عن صدقهم، وحبهم لها ولصاحبها ﷺ.
مثلما ورثوها وبثّوها وربّوا جيلهم عليها موكبا وراية، تعبيرا وهداية، عبادة ورعاية، كتابة وعناية، رواية ودراية، بناء وإعلاء، تتلقّاها الأمة جيلا بعد جيل، وهكذا.