ويبقى الصحابة الكرام هم الجيل المثال الذين استحقوا الخيرية والأسبقية والأفضلية، التي وردت في القرآن الكريم وحديث الرسول ﷺ.
وهم قدوة هذه الأمة بعده ﷺ. وبهم كانت متوارثة في الأمة إلى يوم الدين.
_________________
(١) رياض الصالحين (٥٢٦) رقم (١٣٨٨) . والزيادة من البخاري: كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل. وأخرجه أبو داود، رقم (٣٦٤١- ٣٦٤٣) . والترمذي، رقم (٢٦٨٢) (وفيهما مثال في فضل الرحلة لخدمة الحديث الشريف، وحديث واحد) . وانظر: مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم (٢٦٩٩) .
[ ٩٢ ]
وهم الذين حملوا الإسلام وأبلغوه، ونقلوا الأمم إلى الإسلام «١» ونشروه وعلّموه وحموه، وحملوه في سلوكهم ونفوسهم وصدورهم هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٨- ٢٩] «٢» . فأيّا منهم تنظر إليه، ترى فيه الآفاق العجيبة والنفس القوية الرحيبة.
فلقد روي عن عبد الله بن عمر (٧٤ هـ- ٦٩٣ م) قوله في الصحابة الكرام- وهو منهم- يبين نوعيتهم ومكانتهم من الإسلام وحرصهم على اتّباع النبي ﷺ. فلتقتد الأمة بهم، خلف نبينا الكريم ورسولنا العظيم ﷺ. وهو يحث على الأخذ بما كانوا عليه من ذلك الاتّباع والالتزام، الذي شملهم بذلك وصف الخيرية، ومن سلك مسلكهم وعمل عملهم والتزم بهدي الرسول الكريم ﷺ فوفّاها حقّها وأدى مطلوبها وحمل رسالتها. فيقول ﵁: «من كان مستنا فليستنّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرّها قلوبا وأعمقها علما وأقلّها تكلّفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله ربّ الكعبة» «٣» .
وحين سئل ابن عمر إن كان أصحاب النبي ﷺ يضحكون، قال: (نعم
_________________
(١) انظر: التاريخ الأندلسي (١٧٣) .
(٢) وانظر: حياة الصحابة (١/ ٣٥، ٤٥، ٣٠١) .
(٣) سبق ذكره، ص ١٨. انظر: حلية الأولياء (١/ ٣٥) . حياة الصحابة (١/ ٤٦) . أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر، (٤٥٠) .
[ ٩٣ ]
والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال) «١» . كان إيمانهم غامرا وعملهم باهرا وجهادهم موّارا، لا يقف ولا يهدأ ولا يعبأ.
ويشاركهم في ذلك علماء الأمة وأجيالها، التي تلقت ذلك كله بالقبول التام والحب والجد والعمل والصدق والإخلاص، أمانة صانتها وافتدتها، وأفنت ما عندها وأنفقته طائعة راغبة لحفظه وبثّه، لا تألو في ذلك جهدا ولا توفر طاقة ولا تدّخر مكنة. إلا أنه يبقى للصحابة الكرام شرف لا ينال ولا يطال بحال، هو شرف الصحبة والسبق والمستوى، لا سيما من كان في ذؤابتها منهم، مثل المهاجرين والأنصار، فغدا ذلك هو الشرف وهو النسب وهو الميزان. والصحابة هم الذين بلغوا- بهذا الدين- قمة إنسانية سامقة، فكانوا الجيل الفريد السعيد. كيف لا والرسول ﷺ فيهم يدعوهم ويربيهم على كتاب الله، الذي كان له مثالا، قدوة عالية وأسوة حسنة. والله تعالى يقول: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ٨- ١٠] .
وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨] . وكان هذا في أولئك الذين بايعوا الرسول ﷺ في صلح الحديبية في ذي قعدة السنة السادسة للهجرة، وكان عددهم ألفا وخمسمئة (خمس عشرة مئة)، جاؤوا للعمرة وغير مستعدين- من كل ناحية- للمواجهة والقتال. ومع ذلك بايعوه ﷺ جميعا، على الموت وعلى أن لا يفرّوا. حقا إنه الجيل الفريد؛ الذين استحقوا هذه المكانة من الله تعالى،
_________________
(١) انظر: حلية الأولياء (١/ ٣١١) . حياة الصحابة (١/ ٤٨) .
[ ٩٤ ]
وكانوا- أهل الحديبية- جديرين بها وبوصف الرسول ﷺ لهم: «أنتم اليوم خير أهل الأرض» «١» .
ولعل وصفهم هذا غير قاصر على زمانهم بل كذلك شامل لكل زمان ومكان وإنسان، بعد منزلة الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. فهنيئا لهم تلك الصحبة والمكانة. والرسول ﷺ بيّن ذلك في أحاديث كثيرة، جملة وتفصيلا. ودعا إلى محبتهم والاقتداء بهم والأخذ عنهم. فهم الحفظة والأمنة، على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
وانظر ما ورد في كتب الحديث الشريف في مناقب وفضائل الصحابة الكرام، من ذلك يقول الرسول ﷺ «لا تسبّوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «٢» .
فإذا كان هذا موجّها للصحابة أنفسهم، فكيف بمن بعدهم؟
فلينظر كل هؤلاء الذين يتقوّلون على الصحابة الكرام ﵃ أو ينالون منهم أو يتهجمون عليهم. فماذا يكونون هم إذا، الذين يفعلون ذلك؟
والله تعالى قد رضي عنهم وأثنى عليهم في أكثر من موضع من القرآن الكريم، ووقرهم رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة. إذا فما الذي يتبعونه في إسلامهم، وهم من أي نوع من المؤمنين المسلمين؟ أم أنهم في أية قافلة يلتحقون ويسيرون وينتمون؟ «٣» .
وإن كان لمن بعدهم أيضا، شرف الاتباع والاقتداء والأخوّة، التي بينها
_________________
(١) سبق ذكره أعلاه، ص ٦٤. أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (٣٩٢٣) انظر كذلك: سير أعلام النبلاء (٣/ ١٩٢) .
(٢) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا»، رقم (٣٤٧) . وأخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃، رقم (٢٥٤٠) . ويرد ذكره أدناه.
(٣) انظر كذلك على سبيل المثال الواضح: سورة التوبة (١٠٠)، سورة الفتح (١٨)، سورة الحشر (٨- ١٠) .
[ ٩٥ ]
الرسول ﷺ ويا له من شرف، حين قال يوما لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم؟» . قالوا: الملائكة. قال: «وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» . قالوا: فالأنبياء. قال: «وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟» . قالوا: فنحن. قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟
ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها» «١» . ونحن إن شاء الله من هؤلاء، والحمد لله رب العالمين على نعمة هذا الدين. ولقد اعتبر ﷺ الأجيال المؤمنة التالية للصحابة بأنهم إخوانه، فنعمت هذه الأخوة وكرمت ونفست.
فلقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى البقيع فقال:
«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنّا قد رأينا إخواننا» قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلا له خيل غرّ محجّلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غرّا محجّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض» «٢» .
فالصحابة الكرام كانوا مثلا يهتدى بهم ويقتدى، بعد رسول الله ﷺ، تربوا على كتاب الله فهو نور وهدى لهم ولأهل الأرض أجمعين، وهو الحق الذي تتبين آياته في كل حين. بلّغه رسول الله ﷺ أفضل بلاغ وأدّاه خير أداء وجاهد له أعظم جهاد تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤)
_________________
(١) التفسير (٦/ ٣٤٨٣) .
(٢) رواه مسلم: كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرّة، رقم (٢٤٩) . انظر: رياض الصالحين (٤٢٩- ٤٣٠)، رقم (١٠٢٩) . ودّ رسول الله ﷺ رؤية إخوانه- ونحن منهم، إن شاء الله تعالى- في الدنيا. ولئن فاتنا هذا في الدنيا، فنرجو رؤيته واللقاء به والاجتماع تحت رايته في الآخرة، إن شاء الله. الغرّة: بياض في وجه الفرس. والتحجيل: بياض في قوائمه. الدّهم: السود. البهم: لا يخالط لونهم لونا آخر غير السواد.
[ ٩٦ ]
لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٤٣- ٥٢] .
والله تعالى هيأ الرسول الكريم ﷺ- القدوة والأسوة النبوية- وأعده من كل ناحية، للاحتمال والاكتمال والتلقي للوحي الأمين. وهو أمر صعب يعرف عنه من اطلع كيف كان حاله ﷺ حين يتلقى الوحي.
ثم وجّهه﷾- بكل الأحوال، يوحي إليه ويسدده ويثبته وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا [الإسراء: ٧٣- ٧٥] .
وهكذا يثبّته الله ﷻ ويؤهله، فيرتقي بالاحتمال يمده به﷾- والاصطبار والكشف، مما لا يفعله إلا نبي ولا يستطيعه غيره، بتأييد الله له ومدده. كل ذلك وهو يقوى ويزداد ويثبت باستمرار.
وعلى هذا المنهاج ربّى ﷺ صحابته الكرام، بالوحي الإلهي وبما أنعم الله عليه بالمعرفة والإعداد والعلم النوراني والوحي الرباني. وكان يعلّم الصحابة الكرام بالتمرين والممارسة المتلاحمة الدائمة والمباشرة والتدريب، وفي ميدان الحياة ومعتركها، ممارسة واحتمالا وتفاعلا.