والحق أن (أو كأن) الله تعالى، أراد لهذه السيرة الشريفة أن تكون نموذجا، ولأن هذا الدين اكتمل تطبيقا، بكل شمول وكمال وجمال، لكافة الأعمار والمراحل والأشخاص، نساء ورجالا وأطفالا، فردا وجماعة، ومجتمعا ودولة، صغرت أو كبرت، في السلم والحرب. والجميع أصبح مجتمعا، فيه من غير المسلمين، أو هو خاصّ للمسلمين، تعاملوا مع غير المسلمين داخل المجتمع المسلم وخارجه، ودعوهم ملوكا وشعوبا وزعماء، كل ألوان التعامل في حالاتهم جميعا، في الاضطهاد، ومخلصين
_________________
(١) حياة الصحابة، محمد يوسف الكاندهلوي (٢/ ٣٧٤- ٣٧٥) . أخبار عمر، (٤٣٨) . عبد الله بن عمر (١٣٠) .
(٢) حياة الصحابة (٢/ ٣٧٥) .
(٣) تشير هذه البداية إلى ما بعد سنة (١٩٨١ م)، حيث كتب أصل هذا البحث، الذي نشر في مجلة منار الإسلام (التي تصدرها شهريا وزارة الأوقاف في أبو ظبي)، العدد الرابع، السنة السابعة، ربيع الثاني ١٤٠٢ (فبراير ١٩٨٢) . وهنا الآن فقد نقح وحسن وزيد متضاعفا مرات عن مقداره ذاك، حتى لكأنه بحث جديد، ومثل هذا شمل المباحث الآخرى المماثلة في بقية هذا الكتاب، وبعضها قد زيد إلى بضع عشرة مرة من أصل البحث، مثل المبحث الثالث.
[ ٣٠ ]
أو مخادعين، جادين أو لاهين لاعبين.
وبذلك فالمسلمون يجدون في السيرة الشريفة، في كل الظروف ما يرتوون منه وينظرون فيه، علاجا وغذاء وارتقاء؛ لأنها صورة هذا الدين، ووحي الله المنزّل على رسوله الكريم ﷺ قرآنا عمليا في واقع الحياة، وتلك إرادة الله وحكمته.
إن السيرة الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- مستودع مترع، متكامل شامل. فهي مليئة بكل هذا، كأن الله تعالى أراد- بعد أن كانت للإسلام صورة طبق الأصل في كل حال- أن تكون قدوة في كل شيء للناس، في كل جيل وحال، لتكون معالم عامة وعلاجا ومثالا وأسوة لكل أحد، وهي في الحق كذلك. فهي مستودع غنيّ بكل ذلك، بما مرّ به ويمرّ.
لقد هيأ الله تعالى لهذا الدّين- في كل العصور وفي عصرنا- من خدمه بكل سبيل، وخدم أحداثه وسيرة نبيه ﷺ بكل تفاصيلها ودقائقها وجوانبها.
والحمد لله تعالى أن اعتنت الدراسات الحديثة، ورعت، وخدمت السيرة النبوية الشريفة والسنة المطهرة، سواء بتحقيق ونشر مؤلفات السلف الأمهات عنها، أو بالتأليف الكثير المتنوع فيها، وجيّده غير قليل.