ومثلما نجد في سيرة الرسول الكريم ﷺ القدوة والأسوة، فلقد كانت من الرحابة غدت بها متّسعا لكل ما نريد من أمور الإسلام في الحياة، على مدى العصور والأجيال، في كافة الأحوال. وهكذا أحس الصحابة وفهموا، وكانوا يلجؤون إليه ﷺ ويجدون عنده الراحة والأمان والأمل والحل والفضل والقوة والقدوة، ينهلون منها وبها يرتقون، وكأنهم يحيون معه في عالم آخر رفيع يستمدون منه، لينطلقوا في الحياة بها عاملين، تكون
[ ٩٧ ]
لهم السيرة مددا في جنبات الحياة ودروبها، وشعلة منيرة، يستضيئون بها ويفيئون إليها ويستريحون. ويوما قال الصحابة لرسول الله ﷺ، مما يدل على الرهافة والتعلق والحساسية: يا رسول الله إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره. قال: «كيف أنتم وربكم؟» قالوا: الله ربّنا في السر والعلن. قال: «ليس ذلك النفاق» «١» .
وكان هؤلاء الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- القدوة، يورثونها لمن بعدهم، ينشرون عطرها ويفيضون شذاها، وربّ العزة يقول في وصفهم:
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠] . ويقول كذلك: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ٨- ١٠] . فكانوا بها يرتفعون وبمؤونتها يتغذّون، لينطلقوا في الحياة بقوتها متجددة. وكذلك الأجيال التالية- ونحن منهم بعون الله تعالى وفضله- وكل من يأتي يستمد من هذا النبع الكريم.
وهكذا كان الرسول ﷺ يتعهدهم ويرعاهم ويرتفع بهم. فلقد ورد عن حنظلة الكاتب «٢»، أحد الصحابة الكرام، ومن كتّاب النبي ﷺ، أنه قال:
كنا عند النبي ﷺ فذكّرنا الجنة والنار حتى كأنا رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت فلقيت أبا بكر
_________________
(١) مسند أبي بكر البزار.
(٢) عن حنظلة هذا (حنظلة بن الربيع الأسيدي) انظر: الاستيعاب، (١/ ٣٧٩)، رقم (٥٤٨) . أسد الغابة، (٢/ ٦٥) . الإصابة، رقم (١٨٥٩) ويرد هذا بتفصيل أكثر.
[ ٩٨ ]
﵁ فقلت: نافقت يا أبا بكر! قال: وما ذاك؟ قلت: نكون عند النبي ﷺ يذكّرنا الجنة والنار كأن رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا، فقال أبو بكر: إنّا لنفعل ذلك. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فقال: «يا حنظلة، لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق. يا حنظلة، ساعة وساعة ولو كنتم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها» «١» .
ومثل هذا كان مع أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنّا إذا كنا عندك رقّت قلوبنا وزهدنا في الدنيا ورغبنا في الآخرة، فقال ﷺ:
«لو تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لزارتكم الملائكة ولصافحتكم في الطريق، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون حتى تبلغ خطاياهم عنان السماء، فيستغفرون الله فيغفر لهم على ما كان منهم ولا يبالي» «٢» . وهذا يشير إلى الآفاق التي يحيا بها الصحابة الكرام وتساميها، يرتقون فيها، بيد الرسول ﷺ يرفعهم إليها بهذا الدين، ليستمروا عليها في حياتهم ما داموا يستمدون منها. وهم دوما يقتدون بهذا النبي الكريم والرسول العظيم ﷺ. وهذا وحده لا يكون إلا بنبوة ورسالة من الله تعالى إلى خلقه، يحملها من يختاره بحكمته، فاختار محمدا ﷺ واصطفاه ليكون الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة لأهل الأرض أجمعين. إنه سيد الأنبياء والمرسلين وقائد البشرية إلى طريق الله المنير.