فأولئك الصحابة الكرام استوعبوا واستجابوا، عرفوا بهذا الدين قدر الأمور فكانوا عندها. قدروا الله حق قدره وعرفوا مكانة الرسول ﷺ ونعمة هذا الدين ومنحوا ذلك كل ما عليهم نحوها. فكانوا قمة الإنسانية المؤمنة والجيل الذي لا يتكرر أو إلا بصعوبة بالغة وعصبة (سائغة) وبيعة زاكية، نوعا ودرجة وعددا، وبهذه السعة والأفق والكثرة، وملؤوا الميادين في كل العلوم والفنون. ومن تلك القلة كانت الأعلام الكثيرة، نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا وشيبا وشبانا.
والأعلام- كثرة ونوعا ودرجة- دليل أبلغ دليل، موضوع بحاجة إلى
[ ٢٣٠ ]
دراسة متأنية. فظهرت نوعيات عجيبة ارتقى بهم المجتمع بالإسلام.
وكم من أحد لم يكن له شأن، كان به عظيما، ليس لأنه عاش قبله في مجتمع قهره فقط وألغى إنسانيته فحسب، بل هو نفسه لم يكن فيه من عوامل الارتفاع. رفعه الإسلام وأصبح من الأئمة والأعلام، إلى حد أنه جعل من الأعمى إنسانا رائدا وقائدا، له مواقف، مثل ابن أم مكتوم «١»، وهو أعمى، كانت بيده راية المسلمين في القادسية ويقاتل أعداء الله. وهذا وأمثاله، ومن هذا النوع وغيره وفي المواقف العجيبة غير المنتظرة، امتلأت الحياة الإسلامية بالأمثلة المتزاحمة المتلاحمة. كلها وكلهم ما زالوا مضرب المثال في كل الأحوال، ونعمل على النسج على المنوال.
كان كل منهم علما حيث وضعته ملأ الحياة مواقف وشواهد وأمثلة ونماذج فريدة، فظهرت تلك القيادات، في أي موطن وضعتها برزت وأدهشت. وانظر إلى نوعياتهم وأخذهم الأزمة وما أنجزوا من فتوحات مدهشة لكل من اطلع عليها، وما زالت روعتها وقد أتت بالعجائب التي لا تتكرر إلا بهذا الدين الذي به تحقق المعجزات.
ففي نفس الوقت الذي كانت جيوش الفاتحين، من الصحابة الكرام ومن معهم من التابعين، كانوا يطرقون أبواب أكبر امبراطوريتين في العالم (المعروف)، تحكمانه وتتحكمان بمصائره وتتصرفان في شؤونه، وهما: الامبرطورية الرومية في الغرب والامبراطورية الفارسية في الشرق، بين كسرى وقيصر.
_________________
(١) عمرو بن قيس بن أم مكتوم (٢٣ هـ ٦٤٣ م) . وقيل اسمه عبد الله. وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين ﵂. صحابي شجاع، كان ضريرا أسلم بمكة. وهو من المهاجرين الأوائل إلى المدينة. قدم إليها مع مصعب بن عمير (قبل وصول الرسول ﷺ مهاجرا إليها) . وكان يؤذن لرسول الله ﷺ في المدينة مع بلال. واستخلفه ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرة، يصلي بالناس في عامة غزواته. وكان يحمل راية المسلمين في القادسية (١٥ هـ) ويقاتل وعليه درع!!! توفي بالمدينة. وهو المذكور في سورة عبس. سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٦٠) . الاستيعاب، (٢/ ٥٠١) . الإصابة، (٢/ ٥٢٣)، رقم (٥٧٦٤) .
[ ٢٣١ ]
ففي عين الوقت التي كانت هذه الجيوش الإسلامية الفاتحة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح (والقادة الآخرين: خالد بن الوليد وأمراء الأجناد) بأعدادها القليلة (٢٤ ألفا) تنازل جموع الروم بأعدادها الكبيرة (نحو ١٥٠ ألفا) وعدتها الوفيرة بقيادة ماهان (باهان) الأرمني وسقلاب (الرومي) وجبلة بن الأيهم العربي (ملك الغساسنة) في اليرموك (خامس رجب، ١٥ هـ) كانت جيوش المسلمين الفاتحة كذلك القليلة (ثلاث وثلاثون ألفا) تواجه جموع الفرس كثيرة العدة والعدد (١٢٠ ألفا، غير الاحتياط أو التبع نحو ٨٠ ألفا) بقيادة رستم في القادسية (آخر شوال، سنة ١٥ هـ) (ومعه جالنوس ومهران وبيرزان وبهمن جاذويه وهرمزان، وقتلوا عدا الأخير) .
وكتب الله ﷾ النصر الكبير للمسلمين في كليهما «١» .
وهذا التسامي والتمايز والانتصار، مع التفاوت بكل ألوانه ومعداته لصالح الأعداء، مثله كان في كل ميادين الحياة، أظهره المسلمون وانتصروا بالإسلام وحده وتمكنوا فيه يوم التزموا به، امتدادا للنوعية التي رباها رسول الله ﷺ، وكانت هي القدوة لغيرها من بعده. هي وهم ودوما يقتدون في أخذهم بهذا الدين وتعبيد أنفسهم لله رب العالمين، مقتدين برسوله الأمين ﷺ.
وكانت تلك العصبة التي ضحّت وأقدمت للحفاظ على هذا الدين وحمله علما وعملا، وحرصت عليه وعضّت عليه بالنواجذ، وصلوا القمم التي يمكن أن يصلها الإنسان، لا يصلها إلا بهذا الدين، ليس فردا بل ومجتمعا.
وتلك من معجزات الإسلام. وإنا لنجد ذلك ممتدا خلال العصور والأفراد. والمجتمعات الإسلامية لم تحرم منها في أي عصر ومصر.
والقوى المعاصرة شرقا وغربا وامتداداتها، سماسرة وعملاء، يعرفون ذلك. فهم يمكرون ويبكّرون دوما بضرب أية محاولة وأية حركة تسعى لبعث إسلاميّ جديد، تريد إعادة إنشاء هذا اللون من الأجيال والمجتمعات وتعيد
_________________
(١) البداية والنهاية. الخلفاء الراشدون، الذهبي، القادسية.
[ ٢٣٢ ]
هذه الصولة إلى ميادين الحياة وإقامة أي مجال لمثل تلك الجولة، فيغلقون عليه الطرق ويسدون الأبواب، يمارسون كل سبيل مهما كان، لا يرعون في ذلك قانونا ولا يعرفون إلّا ولا يحفظون ذمة. فليعرف أهل هذا الدين وحماته وجنده ماذا يفعلون ومتى يصنعون وكيف يسلكون.