وإذا كان الصحابة الكرام قد عايشوا رسول الله ﷺ وصاحبوه وتابعوه واتبعوه، وحرصوا أشد الحرص على لقائه، أخذا عنه وتحريا لسيرته، وكل ما يصدر عنه، اقتداء به، وإن ذلك عبادة يتقربون بها إلى الله تعالى، فإنهم قد حافظوا على كل ذلك وبذلوا غاية الجهد في حفظه ونقله، وفي نفوسهم وسلوكهم، قبل نقله إلى الآخرين رواية ودراية. وكان السلوك- عملا،
[ ٩١ ]
قرين العلم، لا يفترقان- من أو أكبر وسائل النقل والتوريث علما، مما يورثونه، أداء لوظيفتهم، في الإرث والتوريث، تلقيا وتلقينا «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر. (ومن سلك طريقا يطلب به علما سهّل الله له طريقا إلى الجنة)» «١» .
لقد هيأ الله تعالى الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- ليحافظوا دين الله تعالى، حفظ نصوصه وفهم مضمونه وتطبيق مفهومه والعمل لتنفيذه وتمثيله والجهاد لإقامته والحرص على نقله وبثه والدعوة إليه بالقول والعمل.
وتوفرت فيهم كل المواصفات، فاستحقوا وصف الله تعالى لهم* كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] الذي شملهم ومن ماثلهم من الأجيال التالية، ونقلوه إليها. وتوفر فيهم من يمد أروقته وينقلها ويوصلها لمن تلاهم جيلا بعد جيل، في العصور المتتالية المتتابعة والبلدان المتنوعة حتى يوم الدين.
وهكذا ورثت الأمة عن الصحابة دينهم وسّنّة وسيرة نبيهم ﷺ.