كان الولاء للإسلام واضحا في سلوك الصحابة الكرام، لا يعرفون غيره، وعلى أساسه توزن الأمور وتتخذ المواقف وتتجه النصرة مهما كانت.
به يقيسون كل الأمور، يهرعون إلى كل ما يرضي الله تعالى وحسب شرعه، يتحرونه ويقبلون عليه. وكان بناء كل فرد في المجتمع على هذه الأسس الرصينة الصّلبة البالغة، وفي النهاية المجتمع كله كذلك، وفي أشد الأمور وأصعبها وأكثرها تضحية وبذلا.
فانظر كيف قاتل المسلمون (العرب) المشركين (العرب)، وكان فيهم إخوانهم بل وآباؤهم وأهلوهم، ومع ذلك كانت المواجهة واضحة والمفاصلة مكشوفة والمقاتلة شديدة. والمسلمون لا يفعلون ذلك جهلا بأي معنى كريم- وهم أهله وأولى به من كل أحد- بل على العكس، المسلم من أحفظ أناس للرّحم وكل صلة كريمة وكافة الروابط الخيرة البرّة. لكن تلك كلها مرتبطة بميزان الإسلام وحده وشرعه ومفاهيمه، وإن كان أحدهم ليتمنى أن يهتدي هؤلاء جميعا، كما رجا أبو حذيفة متألما عند مقتل أبيه كافرا في بدر: عتبة بن ربيعة. إذ كان يأمل بإسلامه (ولكنني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام كنت أرجوه له) «١» . وأبو حذيفة هذا هو زوج سهلة «٢» بنت سهيل بن عمرو
_________________
(١) سيرة ابن هشام، (١/ ٦٤٠- ٦٤١) . أسد الغابة، (٦/ ٧١- ٧٢) . قارن: سير أعلام النبلاء، (١/ ١٦٥) .
(٢) أسد الغابة، (٧/ ١٥٤- ١٥٥) . وأبو هاشم (أخ لأبي حذيفة) بن عتبة أخو مصعب لأمه: سير أعلام النبلاء، (١/ ١٦٦) .
[ ١١٣ ]
(المستحاضة) . أسلمت قديما وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة وولدت فيها ابنهما محمدا.
ودعوة الآخرين إلى الإسلام وهدايتهم هو هدفهم، بعد ما هداهم الله تعالى له الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣] .
لكنهم حين أصروا على مقاتلتهم واجهوهم.
فإذا ما أخذنا الصور الفردية، فمع كل فرد من الصحابة الكرام صورة في هذا وموقف وشاهد، مثلما في كل الأمور الآخرى، تجدهم دائما عندها.
لأنها جميعا تصدر من هذا البناء، البناء الذي هو الأساس في قيام هذا المجتمع المثال بهذا المنهج الرباني الكريم. وهو لا يأتي إلا بالخير في أي حال ووضع وموقف أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٤- ٢٥] .
ونأتي الآن لتقديم بعض الأمثلة المعبرة عن هذا المعنى، واجعلها للجميع أفرادا وجماعات ومجتمعات ودولة، سلما وحربا وفي كل حال، ومهما كانت تفوّت من منافع أو تقدّم لهم من مغريات أو إغراآت الآخرين لهم أو تغريرهم بهم.