قصة ربيعة هذه الآخرى «٢»، مليئة كذلك بالمعاني القوية، ذوات الإضاءة الناصعة، وهي عديدة، منها:
التدليل والتأييد والتأكيد لمعرفة الرسول الكريم ﷺ بالصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- بدقائق أحوالهم وأغوار نفوسهم وبما هو يصلح لهم دنيا وأخرى، كما بينه ربيعة نفسه بقوله: (والله لرسول الله ﷺ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني) . بل وتصل هذه المعرفة الكريمة إلى أنه ﷺ يعرفهم معرفة تتجاوز كثيرا معرفتهم لأنفسهم «٣»، وكذلك في مقدار الاهتمام
_________________
(١) مسند الإمام أحمد، (٤/ ٥٤) . كذلك: المعجم الكبير، الطبراني، (٥/ ٥٩)، رقم (٤٥٧٨) . حياة الصحابة، (٢/ ٦٦٩- ٧٠٠) . «تراخ»: كانوا يأتونه قليلا. «ألطفوه»: قدموا له الهدايا. «بريدة بن الحصيب الأسلمي»: زعيم قبيلة أسلم. أسد الغابة، (١/ ٢٠٩) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٤٦٩) . طبقات ابن سعد، (٤/ ٢٤١) . وفي قصة زواج جليبيب ما هو شبيه بهذه. انظر حياة الصحابة، (٢/ ٦٧١) .
(٢) سبق ذكر أمور متعددة عن ربيعة بن كعب. انظر: أعلاه، ص ١٠٠- ١٠٢، ١٣٢.
(٣) وانظر كذلك: التفسير، (٢/ ٦٩٩) .
[ ١٤٣ ]
بها وطريقة أخذها لخيري الدنيا والآخرة، وللارتقاء بكل ذلك بأفضل أسلوب وأجمل رعاية وأجود طريقة، تأخذ بالنفوس إلى المعاني الكريمة وإدراك المرامي السليمة وبناء واستخراج كوامنها الحرة. وكان هذا عاما للفرد منهم بكل أحواله، ولجميعهم بكل تنوعاتهم، ولكل أمور حياتهم وبكافة أحوالهم. فكان اهتمامه ﷺ بكل فرد منهم وبجميعهم في مجمل شؤونهم دون استثناء. حتى لقد كان يشعر أحدهم أنه ﷺ يخصه بهذا الاهتمام المركز الأصيل.
أليست هذه وحدها توضيحا وتوكيدا وتدليلا على النبوة الكريمة؟ التي أعدها الله تعالى وأوحى إليها هذا الدين، نعمة منه على الإنسان، ساكن هذه الأرض. فكرّمه وجعله فيها خليفة يحكم بشرعه سبحانه. وهذه علامة ومؤهل وشرط لهذه الخلافة الأرضية. والسيرة كلها على ذلك دليل وأن هذا وأمثاله لا يكون إلا بنبوة اختارها الله وأوحى إليها الكتاب العظيم وهو القرآن الكريم، المهيمن على الحياة بكل ما فيها والمتضمن لخير منهاج ملئ بالمعجزات في كل اتجاه، تتبدى في كل يوم منها جديد، مدخر لكل الأجيال، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولكل جيل قسطه الذي قد كان قدّره الله تعالى لهم منه، معجزات لا تنفد تتحرر ولا تتأخر. فهذا القرآن الذي قد جعله الله تعالى «لا تنتهي عجائبه»، كما وصفه الرسول الكريم ﷺ في حديث شريف طويل «١» . هو وحده القائم على سعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة.
صيغة التكافل القوية الكريمة العاملة، التي أتمت وأنجزت وحلت بسرعة وسهولة ويسر هذه المشكلة التي كان يراها ربيعة- وحق له ذلك، وهي كذلك تماما- غير قابلة التنفيذ.
_________________
(١) للأسف حيث مصادري ليست معي، وأنا أكتب هذه الفقرة- وبعض التتمات الآخرى- في صنعاء اليمن (الأحد- الإثنين، ذو الحجة (١٤، ١٤١٨ هـ ٥- ٦/ ٤/ ١٩٩٨) .
[ ١٤٤ ]
اهتمام الرسول الكريم ﷺ المتسع بأمور الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- والسعي لإدراكها وتذكيرهم بها والعمل على إنجازها، بهذا الشكل المتعاون، بقيادته ورعايته ﷺ، بل ومشاركته، رغم حالة الزهادة وقلة ما عنده من الزاد في بيته، وكرمه به، ووضوح حاجته الشديدة وأهله إليه.
سرعة استجابة أهل البنت لأمر رسول الله ﷺ وفرحهم بذلك واعتبارهم له بركة ونعمة وكرم، ساقه الله إليهم على يد النبي الكريم ﷺ الحبيب الأثير ﷺ ففرحوا به شاكرين ملبين متعجلين، مما جعلهم ليس فقط لا يسألونه عن شيء، بل هم يقدمون- ما ليس عليهم- الهدية على ذلك.
أضف إلى ذلك: سرعة الاستجابة من الجميع وتعجل التنفيذ، مما يجعل أي مشكلة تحل- في هذا المجتمع- دون تأخير أو تقصير ولا تبرير، وكل ذلك يجري في الأمور المهمة.
وهناك حقوق لا تسقط، ولها موقعها الاجتماعي، والنّفس الإنساني والجمال الحياتي، تلك التي يهتم بها الإسلام ويدعو إليها ويثبتها حقوقا في الحياة؛ لما تحمله من معان كريمة وأثر في المجتمع والحياة، وإن كانت خفية أو خفيفة رديفة، لكنها مؤثرة فوارة دوارة، أخرجها وأنضجها وأدرجها، فلا يدعها تهمل تحت أي مبرر أو حجة أو حال، وعلى قدر الاستطاعة، تعبيرا عن الاهتمام ودليلا على الفرح وأداء لحقوق، وبإمكانياته ومكنتها وحدودها، ودون مغالاة، حتى مع توفر ملبّياتها ومغنياتها ومتطلباتها، تجري بسمته وتدور مع شرعه وتحيا بصبغته. تلك هي الفرحة بهذه المناسبة أن تكون سعيدة ومجيدة وحميدة: الزواج وتقديم مستلزماته وأداء حق الزوجة والإعلان عن الفرحة، تعريفا بها وارتفاعا بقدرها وتكريما لمعانيها في تكريم الزوجة، شريكة ورفيقة درب.
وقد تكون هناك أمور أخرى في هذه القصة التي جرت في ظل هذا الدين الذي ربى هؤلاء النفر المثال بيد رسول الله الكريم ﷺ. فكانت هذه الرعاية التي أظهرت عمليا تعاليم الإسلام والحرص على ممارستها في الواقع
[ ١٤٥ ]
ورسم النماذج الفذة للحياة الكريمة السعيدة- دنيا وأخرى- تبقى مثالا للأجيال.
وهي تبين كذلك هذا السلوك العملي- المشارك من الجميع- في هذه الحادثة وغيرها، هو مقتضى الأخذ بهذا الدين. وهكذا يتم بناؤه ويكون إعلاؤه وتثبيت شواهده وأعلامه وأفهامه في الحياة لتكون القدوة والمثال والدليل على الطريق، وليس غيره طريق، وهي من معالم الطريق، الطريق الوحيد المنير. ولكن هل يمكن إدراك أي شيء من ذلك إلا بهذا الدين؟ ذلك هو ما على مسلمة اليوم إدراكه والأخذ بأسبابه والعض عليها بالنواجذ. وهذا ما تهدف إليه كتابة هذه السيرة الشريفة.