فكانت سيرة الرسول الكريم ﷺ رسما قويا، للنبوة الخاتمة، والرسالة الأخيرة الخيّرة الدائمة، والدين الحق اللازم، والصورة الأخيرة للإسلام؛
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور (رقم: ٥٢٠٨) . كذلك: أعلاه، ٤٧.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية (رقم: ٣٩٢٣) .
[ ٦٤ ]
الذي أراده الله رحمة للعالمين، وحمله سيّد المرسلين ﷺ إلى الناس أجمعين، في تطبيق معبر، أكرم تعبير، وأفضله، وأوسعه، وأشمله، مما لا يماثله إنسان، بل الجميع لا بدّ أن يقتدي به، ليحيا في ظل شرع الله تعالى الظليل.
وفي هذا الاتجاه الذي سبق، يرد وصف عائشة (﵂) للرسول الكريم ﷺ في فهمها العملي، وفقهها العميق، ورؤيتها الثاقبة، والبصر الواضح، والنظر الكاشف، والبناء القويّ المكين، حين سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فأجابت بأنه (كان خلقه القرآن) .
كل ذلك يقوم على وحي الله تعالى- إلى نبيه الكريم ﷺ- القرآن العظيم ثم السّنّة المطهرة، يدفعه ويوسعه ويمثله ويتمثله ويشرحه ويقدمه للبشرية كلها رسول الله ﷺ قياما بأمر الله تعالى.
وما دامت السيرة الشريفة هي تطبيق للإسلام- قرآنا وسنّة- وأنها تتسع لكل أمور الحياة، ويجد فيها كل أحد حاجته واستقامته وسعادته، للاقتداء بها في كل حال، لذلك المجتمع المسلم، لا بدّ- وهو كذلك دوما- أن يكون معها، وبها يقوم لزاما.
ومن هنا فإن الأمة المسلمة، بكلّ أجيالها وطوال عصورها وفي كافة بقاعها كانت كذلك. وكانوا لا ينفكون يلجؤون إليها، ووقت الشدائد والأزمات كل يجد فيها ضالته، كما وجد فيها استقامته ورقيه وسعادته.
فهي مرآة ومحثّ وحاد للناس، يتخذونها، ويقتدون بها ويهتدون للسّير في طريق الله المنير؛ الذي أراده ﷾ لخلقه أجمعين.
وما دامت الأمة المسلمة تحيا بها، وتستظل بأفيائها، وتدعو إلى مثلها، فمن الطبيعيّ إذا ألا تفتأ تعتني بها بكل أسلوب، بجانب هذا الأمر.
وليس يحدث ذلك في دراستها وفهمها فحسب، بل والنظر والاستنباط والكتابة والتأليف فيها، يستخرجون من جواهرها وأجوادها وكرائمها لآلئ جديدة فريدة؛ بأصدافها الغنية بمكنوناتها الجديدة المجيدة الوحيدة. وهي
[ ٦٥ ]
هكذا دوما تزخر بها، وتذخر، وتفخر، يشدّون بها الأمة إلى دينها، ويجدّدون أمره وأمرها، ويثيرون معانيها حية في نفوسهم. فهو ﷺ خير أسوة والقدوة المثال لكل قدوة بعده ومثال غيره، وهو معنى قول الله تعالى:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] . ومع وفرة التأليف لدى السّلف في السيرة النبوية الشريفة بكافة جوانبها ومضامينها ومجاليها، فقد أبقوا للخلف الكثير والكثير جدا.
لتسر هذه تربية عميقة، وتروية بالغة، وقاعدة دفّاعة صلبة، وجذورا غائرة، في الجيل المثالي والمثيل، الذي تنظر إليه الأمة الإسلامية، في أجيالها التالية؛ ولذلك وصفه الرسول الكريم ﷺ- خير القرون- بذلك الجيل المثال العال- وما يليها، تسري روحها كل أحد، بما تمثّل به من حقائق الإسلام.