وإننا نجد ذلك في معاني الإسلام وفهم القرآن الكريم وعمليته وصدقه وأصالته ومناسبته للإنسان، وحياته وتكوينه وطبيعته. فهو يا بني الإنسان بناء لا يصح لغيره ولا يكون، ويرقى به إلى المستوى المثالي، تراه في واقع الحياة. فهو الذي يربيه ويرتقي به، بصيغة مثالية واقعية أو واقعية مثالية، جرت في الحياة، ليس في أفراد- وفي جماعة فحسب- ولكن في مجتمع متكامل في كافة شؤونه وأحواله، باطنا وظاهرا، انطلق بذلك البناء حريصا على معانيه وحارسا لمبانيه، يؤثره على كل ما عداه، بإقبال وانشراح.
مجتمع كان كل أفراده كذلك. كان القرآن يربيهم وينشئهم وينشّئهم أمة كريمة. وهو أمر ما كان إلا به ولا يكون البتة إلا معه.
ومن هنا نجد الوفرة من السيرة النبوية في القرآن الكريم، نفسر القرآن
[ ٢١١ ]
بها ونفهمها، وندلها بها في التطبيق والعمل. وهكذا نفهمه ونفهمها. بل ويمضي الفهم والتربية والعمل والتخلق والتطبيق والاستبدال، وتتعمق كل الأمور وتستغرق كافة الجوانب.
إن توالي الآيات الكريمة ينزّلها الله ﷾ على رسوله الكريم ﷺ ذاكرا حقائق الأحداث وخوافيها، مما هو في ضمير الناس- مسلمين ومشركين- مما يجهله الرسول الكريم ﷺ نفسه، ولم يتنبه أو يراه أي أحد ذو صلة بالأمر، يظهر خفاياها وبواطنها وما غاب منها، بل وينبه لنتائجها استقبالا، ويبين حقائق الأشياء والأحداث والأحياء وطواياها ويوضحها.
فالقرآن الكريم يتنزل تشريعا وهداية وتربية، مثلما يبين حقائق الأحداث ومراميها، بدقائقها وحقائقها، مرئيّها ومخفيّها، واقعها ومستقبلها، مثلما ينبه إلى أبعادها ويشير إلى نواياها ومخططاتها، فيما لو حدثت. ويظهر نفوس أهليها وما انطوت عليه، وما تتولد منه، لو استمرت على منوالها، وذلك بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين. ويظهر حقيقة الحادثة وظرفها وآثارها الدفينة، آنا ومستقبلا، في صيغة شاملة وصورة كاملة. يضعها أمام الرسول ﷺ والمسلمين ويبين دروبها في النفس والتواآتها وسيرها في منحنياتها، وما ترنو إليه وتطلبه وتريده وترغبه، وبيان الأطراف وما أضمرت والنفس وما نوت والحقيقة وما تثمر وأثمرات، مما قد لا يدركها صاحبها وتغيب عن طالبها، يجهلها كلّ أحد، حتى الذين عايشوها.
وهذا بجانب إخبار الغيب في الأمور ماضيا ومستقبلا، وما التبس أو غاب حاضرا، مبينا آثار ذلك في كلتا الحالتين، جهلا بها أو معرفة لها، والحث على بيان طريق علاجها والموقف المناسب لها ووضع قواعدها، ليكون كل ذلك عاما وشاملا لكل زمان ومكان، مثلما هو التشريع القرآني شامل للحياة لمن وجههم الله تعالى في زمانهم. آياته تترى على الرسول الكريم ﷺ، تربيهم على يديه وترفعهم إلى أعلى الآفاق أمام عينيه، ليبقى ذلك ملجأ لكل أحد ومطلبا لكل ساع في شرع الله في دربه الكريم.
[ ٢١٢ ]
وهكذا تتكامل حقائق السيرة المذكورة في القرآن الكريم بعمقها وصدقها، بإخبارها عن غيبها وحاضرها معلومها ومجهولها غيبا وشهادة، في كل الأحوال، مثلما يبين ﷻ ما يصلح لهذا الإنسان من تشريع وتوجيه يكون دائما على مدى الحياة ويجعل الإنسان في وضعه الطبيعي الذي أراده الله له وخلقه من أجله وأعده لبناء الحياة الفاضلة، مستديرا بنفسه كما استدارت الحياة والكون على وضعها وفلكها ومسارها يوم خلق الله السموات والأرض.
وهكذا تتعانق في القرآن الكريم موضوعات السيرة الشريفة مع موضوعاته الآخرى كالتشريع وغيره ليبقى كلها مرتبطا بالإنسان في كل زمان ومكان يريده ويطلبه ويرغبه، ليا بني حياته بهذا وذاك. وكل هذا لا غنى للإنسان- وطبعا للمجتمع المسلم- عن كل ما في القرآن الكريم، فكله دائم وصالح وضروري لإقامة الحياة الإنسانية بدروبها وفروعها وجوانبها. وهذا الفهم بحاجة إلى دراسة مستقلة فتح الله به وأنا أراجع هذا المبحث لتقديمه إلى الطباعة «١» .