إنه حين تقوم العقيدة بالله تعالى مستوية، وتستيقن وتستعلن حقيقة الإيمان الحق بدعوة الله تعالى غائرة في النفس، لا بد أن تستعلي على كل قوة في الأرض وتستهين بكل بأس، مهما تجبر وتنمر وتبختر واحتمى ببيوت العنكبوت وتترس بخيوطها، حماية له ووقاية لمن معه أمام قدرة الله تعالى وناموسه. علما أن الباطل- وذلك دينه وشنشنته- حين يداري أتباعه، فإنه لا يفعل ذلك محبة لهم أو اهتماما بهم أو رعاية لصلة معهم، بل هم أرخص ما يكونون عنده وأدنى من آخرين، بل كل الآخرين لديه أقل مما يتصورن.
إنما فقط ليقفوا معه معاونين له على باطله وليستعملهم، مواجهة للحق الإلهي، تحقيقا لماربه واستمرارا في سلطانه وتثبيتا لحكمه. ولذلك إذا لم يؤدوا هذا له، تراه- وقد رأيته في فرعون- هو نفسه ينقلب عليهم أو يقلب لهم ظهر المجن- كما يقولون- وينيلهم أقسى أفانين العذاب وأشد ألوان التنكيل وأبعد مدى في الانتقام، حتى لكأنه يقول لهم: لم إذا قربتكم وقدمت لكم وأعطيتكم، فترقيتم وأثريتم وتنعمتم، وكل ذلك من يدي، واليوم تنكرونها. فكيف إذا وقد جاوزوا ذلك وأصبحوا في جبهة الحق الذي يحاربه. وتلمّس ذلك بوضوح باهر، فيما أوقعه فرعون بالسحرة الذين آمنوا، من التقتيل والتنكيل والانتقام الفظيع المريع السريع.
والواضح من طريقة القرآن الكريم المعجزة في التعبير والتصوير للمعاني أن فرعون نفّذ تهديده فيهم وقتلهم جميعا، مثلما فعلوا- وبنفس أسلوب التعبير والتصوير للقرآن المعجز- بمؤمن آل فرعون. لكنهم- وكل المؤمنين بدعوة الله تعالى ورسالته- ثبتوا أقوياء وقاموا بسلاء ورضوا أولياء- إن شاء الله تعالى- خلال المواجهة والأذى.
وهذا ما يجري وجرى لمن رفعه اليقين بهذا الدين إلى أن يكون من أتباع الأنبياء﵈- الذين لا يعرفون الخنوع ولا الخضوع. كيف وقد امتلأت قلوبهم بالإيمان بالله وحده وأنست بمعرفته واطمأنت إلى جواره.
[ ١٨٨ ]
وغدت هذه الأمور واضحة للمؤمنين بدعوة الله وعلى يد الرسول الكريم محمد ﷺ، الذي بعثه الله تعالى بهذا الدين رحمة للعالمين، بما رباهم عليه القرآن الكريم بهذه المعاني المشهودة في تاريخ الأنبياء (﵈) ومنهم قصة موسى (﵇) وفرعون. وهكذا القصص الآخرى التي أراد الله تعالى أن يتعلم المسلمون منها تثبيتا لقلوبهم وتسرية عنهم وتسلية لهم، ليحتملوا ألوان الاضطهاد على يد أعداء الله تعالى. وهو ما جرى لسحرة فرعون الذين آمنوا بموسى (﵇) وما يجري دوما مع الأنبياء (﵈) وأتباعهم، حين غمر الإيمان قلوبهم، ونوّر بصائرهم، وأحيا نفوسهم.
ومنه ما جرى- ويجري دوما- لأتباع هذا الدين الذي بعث الله به محمدا ﷺ، ابتداء من العهد المكي، ومنذ أول يوم آمنوا به ومن أول عهدهم بها هناك، لا يفزعون ولا يتزعزعون، حتى النساء والإماء والعبيد، مثلما الأغنياء المتقدمين والمتمكنين سواء بسواء. ثم الأنصار، من بيعات العقبة الثلاث، وآخرها بيعة العقبة الكبرى، فور إسلامهم وأداء البيعة للنبي ﷺ على نصرته. وذلك «حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله»»
. وكذلك المهاجرون في العهدين المكي والمدني وبعدهما، ولصحابة رسول الله ﷺ طوال حياتهم وأجيال ممن تلتهم وتتلوهم من الأمة المسلمة، إن شاء الله تعالى.