وأعني بالمقوم الأول- لكل دراسة، لا سيما في فروع الدراسات الإسلامية، وأخصّ التاريخ الإسلامي، وبالذات السيرة النبوية الشريفة- حسن التوجه إلى الله ﷾، والارتباط به عقيدة وعبادة، وشريعة
[ ٢٧ ]
وسلوكا، يكون مستمدا على الدوام، من هذا النهر الفياض، الذي يملأ الحياة بكل جوانبها خيرا وبركة، فيوفر ذلك صحّة في القصد، وصفاء في الفهم، ودقة في التصور، وجودة في الاستكناه والاستجلاء، وبغير ذلك فالدراسة هزيلة بخيلة نحيلة، وشاحبة ناحبة، وأمرها يغيض ولا يفيض، ينحدر نضوبها، ويتبعثر هروبا، ثم تذهب أدراج العواصف هشيما تذروه الرياح.
وإذا كانت بداية الاهتمام بالسيرة هواية- وما زالت- محببة إلى النفس، وسلوى وقوة لها وأنسا، وغذاء وإطرابا لأركانها، وندى وظلالا تستظل أفياءها، فإنها قد تعمّقت بمرور السّنين وتوالي تدريسها، حتى أصبحت تخصّصا آخر، بعد أن جرى الاستمرار في هذا الاهتمام، وتدريسها في الجامعات لأكثر من بلد، ولما يزيد على خمسة عشر عاما، أكثرها ذات فصلين.
ثم فوق ذلك، إن لكل أمر دوافع، ودوافع هذه الدراسة تنبع من عقيدتنا الإسلامية، فان معرفة السيرة الشريفة تاريخا وتفسيرا والتزاما، والسنة المطهرة حديثا وفعلا وتقريرا، مهمة أساسية؛ إذ أنها ترتبط بعقيدة المسلم، وهي جزء من إسلامه. وعلى هذا النسق يجب أن تكون دراستها.