ومثال ذلك ما جرى في موضوع الأمر بفرض الحجاب للنساء، فمما رواه البخاري- رحمه الله تعالى- عن أم المؤمنين عائشة﵂- أنها قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [النور: ٣١] . شققن مروطهنّ فاختمرن بها) «١»، كذلك روي عنها في وصف المؤمنات: (كن نساء المؤمنات (نساء من المؤمنات) يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفّعات بمروطهن ثم ينقلبن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهنّ أحد من الغلس) «٢» .
كذلك أثنت عائشة﵂- على نساء الأنصار بمثل ذلك.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب التفسير (سورة النور)، باب: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ رقم (٤٤٨٠- ٤٤٨١) . كذلك: رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ (٤/ ٣٥٧)، رقم (٤١٠٢) . جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ، (٢/ ٢٨٠)، رقم (٧٣٢)، (١٠/ ٦٤٤)، رقم (٨٢٦٣) . «الخمر»: جمع خمار (بزنة كتاب كتب) . وهو غطاء الرأس. «الجيوب»: جمع جيب، وهو شق الثوب من ناحية الرأس (ما يظهر منه الصدر) . «المروط»: جمع مرط، وهو الإزار، ما يؤتزر به وتتلفع به المرأة (تغطي به رأسها) . وقد يقال: تلفعت المرأة بمرطها.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الفجر، رقم (٥٥٣) . كذلك: أرقام (٣٦٥، ٨٢٩، ٨٣٤) . وأخرجه مسلم، رقم (٦٤٥) . «الغلس»: ظلمة آخر الليل. انظر: تفسير القرطبي، (١٢/ ٢٣٠) . (تفسير آية الحجاب، في سورة النور، ٣١) .
[ ١٤٨ ]
وهذا يعني أن جميع النساء المسلمات هن كذلك، ولكن لكل وصف مناسبته، عند ذكر هؤلاء أو هؤلاء.
روى أبو داود عن عائشة أم المؤمنين﵂- أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفا، وقالت: لمّا نزلت سورة النور عمدن إلى حجوز فشققنهنّ فاتّخذنه خمرا «١» . وفي نفس المعنى كذلك روت صفية بنت شيبة عن أم المؤمنين أم سلمة﵂- قالت: لما نزلت يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] . خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية «٢» .
كذلك روت صفية بنت شيبة هذه عن عائشة، قالت: بينما نحن عند عائشة، قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة﵂-: إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار،
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب قوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] . (٤/ ٣٥٦)، رقم (٤١٠٠) . انظر: جامع الأصول، (١٠/ ٦٤٣)، رقم (٨٢٦٣) . روته عن عائشة ﵂ الصحابية صفية بنت شيبة. انظر في ترجمتها: أسد الغابة، (٧/ ١٧٢)، رقم (٧٠٥٨) . الإصابة، (٤/ ٣٤٨)، رقم (٦٥٠٧) . سير أعلام النبلاء، (٣/ ٥٠٧)، رقم (١١٨) . حجوز وحجز: جمع، مفردها: جمع، مفردها: حجزة، بوزن حجرة، وهي معقد الإزار وموضع التكة من السروال، يقال: احتجز الرجل أو احتجزت المرأة بالإزار: إذا شده على وسطه أو شدته على وسطها. وصفة الاختمار: أن تضع المرأة الخمار على رأسها فترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر. وكانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدّامها، فأمرن بالاستتار. والخمار للمرأة كالعمامة للرجل. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (٨/ ٤٩٠) . جامع الأصول، (٢/ ٢٨٠- ٢٨١) (الحاشية)، رقم (٧٣٢) . التفسير (٤/ ٢٥١٣)، الأساس في التفسير، (٧/ ٣٧٦٠)، وهذه الأخبار تشير إلى سرعة المبادرة بالامتثال.
(٢) سنن أبي داود، نفسه، رقم (٤١٠١) . كذلك: جامع الأصول، (١٠/ ٦٤٥)، رقم (٨٢٦٤) .
[ ١٤٩ ]
أشدّ تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل. لما نزلت في سورة النور:
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته.
فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحّل، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه. فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهنّ الغربان) «١» .