وعلى كل أحد يريد أن يقيم مجتمع الإسلام، أن ينحو هذا المنحى وينظر إلى هذه الآفاق، يرتقي بها فهما وعمقا، حبا وصدقا، علما وعملا، ليقترب- مقتديا برسول الله ﷺ- من مستوى أولئك الصحب الكرام. فهو وإن تخلف عنهم في الدرجة، لا يحب أن يتخلف أو يختلف عنهم في النوعية.
ولهذا أسبابه وعزمه وعزائمه وجدّه وإقباله، بحيث هؤلاء يتنسّمون وينسمون
_________________
(١) كان ذلك أثناء مراجعة المبحث، بعد كتابته، وتنقيحه، لرفعه إلى ضربه على الكومبيوتر، مساء الثلاثاء (٢٧/ ٢/ ١٩٩٠) . وهذا يشير إلى المتابعات المتكررة والمراجعات الكثيرة وتوالي إعادة النظر الدائم للكتابة المتأنية، ابتداء من (١٩٨١ م) وحتى اليوم (١١/ ٤/ ١٩٩٨) حيث أجهزه للطباعة وإن كان أحيانا وكثيرا على تتابع أو تراخ لوقت ما. وأعتبر هذا أطروحتي الأولى، أو الآخرى على أقل تقدير.
[ ٢١٣ ]
روائع السيرة ويشفّون عنها ويشفون بها ويشون بها ويتمثلون روائعها، ينشرون شذاها وينثرون عبقها، تحبّهم كلما اقتربت منهم، تعرفهم بمواقفهم في كل الميادين، يقعون في النفس موقع التقدير حتى لو كانوا آخر الأفواج.
لا يشقى بهم جليس بل يجد فيهم الأنس الأنيس وينتشي البئيس.
فما الذي يدعو إذا إلى محبة بلال وسمية «١» وياسر وغيرهم، وهم حتى
_________________
(١) لقي هؤلاء وغيرهم كثيرا من العنت والإرهاق والتعذيب المتنوع المتكاثر والاضطهاد الكبير المريع، وكل المسلمين في العهد المكي. وأصروا بعناد قوي وواجهوا المشركين وأعلنوا إسلامهم وجاهروا به وأبوا إلا الإعلان عموما، رغم أن الدعوة كانت سرية. أما بلال الحبشي، بلال الخير (٢٠ هـ)، فهو مؤذن الرسول ﷺ أذّن في حياته ﷺ حضرا وسفرا، وأذّن يوم الفتح على ظهر الكعبة. أسلم قديما، فكان أحد أول سبعة أظهروا الإسلام: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد (وذكر خبّاب بدل المقداد)، سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٤٧) . أسد الغابة، (٤/ ١٣٠)، (٧/ ١٥٢) . سيرة ابن هشام، (١/ ٣١٨، ٦٣٢) . وكانت الدعوة الإسلامية في بداية العهد المكي سرّية، لكن بلالا أظهر الإسلام وأعلنه. وكان عبدا لأمية بن خلف، وكان يعذبه بوضع صخرة عظيمة على صدره في الرمضاء وهو صابر محتسب ويقول: أحد أحد حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه. ولذلك يقول عمر بن الخطاب: (أبو بكر سيّدنا وأعتق سيدنا) يعني بلالا. البخاري: فضائل الصحابة، باب مناقب بلال بن رباح، رقم (٣٥٤٤) . حضر المشاهد (المعارك الغزوات) كلها مع رسول الله ﷺ، روى له أصحاب الصحاح الستة عشرات الأحاديث. وبعد وفاة الرسول ﷺ ذهب إلى الشام للجهاد وفيها كانت وفاته. وحين حضرته الوفاة كان يقول: (غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه، وافرحتاه) . انظر: الطبقات الكبرى، (٣/ ١٦٩) . سيرة ابن هشام، (١/ ٣٣٩) . الإصابة، (١/ ١٦٥)، رقم (٧٣٦) . الاستيعاب، (١/ ١٧٨)، رقم (٢١٣) . الوافي بالوفيات، (١٠/ ٢٧٦)، رقم (٤٧٧٦) . سيرة الذهبي، (٢١٧) . أما سميّة (نحو ٧ ق. هـ ٦١٥ م) وزوجها ياسر وابنهما عمار فقد عذّبوا كثيرا وفيهم قال الرسول ﷺ: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» . (سبق ذكره أعلاه)، ثم قتل أبو جهل سمية بأن طعنها بحربة في موطن العفة منها، فكانت أول شهيدة (شهيد) في الإسلام ثم استشهد زوجها ياسر، وهو يعذب بيد المشركين غرقا. أما عمار فعذب
[ ٢١٤ ]
لم يورّثوا علما ولم يرووا سنة إلا في حدود، ومنهم من استشهد مبكرا جدا، مقبلا ومقدما، يقبلون على الإسلام ويتمثلونه بتوازن واتزان.
ولا بد لكل هذه أن تكون بارزة ظاهرة في تولي عملية البناء ورعايتها في الحديث عن الجماعة المؤمنة التي تريد وتعمل و«تحاول إعادة إنشاء هذا الدين في دنيا الواقع، التي غلبت عليها الجاهلية، وصبغتها بصبغتها المنكرة القبيحة!» «١» .
وهكذا كلما مضيت وعشت، فهمت وتقويت واقتربت واستنتجت وتمثلت وانطلقت. وكلما زاد إيمان الشخص دقّ نظره وثقب بصره وعلا إدراكه، وكان فهمه أعمق وآفاقه أوسع وعمله أشجع. والصحابة الكرام كانوا يزاولون القرآن الكريم، ذوقا وإدراكا، ويعيشونه عملا وواقعا.
وورد عن عبد الله بن مسعود «٢» أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم القرآن
_________________
(١) كثيرا ثم قال كلمة لإرضاء قريش وندم عليها، لكن الرسول ﷺ طمأنه. انظر: أسد الغابة، (٤/ ١٢٩)، (٥/ ٤٦٧)، (٧/ ١٥٢) . الأعلام، (٣/ ١٤٠)، (٥/ ٣٦)، (٨/ ١٢٨) . الوافي بالوفيات، (١٥/ ٤٥٧)، رقم (٦١٧) .
(٢) التفسير، (٣/ ١٤٧٨) .
(٣) عبد الله بن مسعود (٣٢ هـ ٦٥٣ م) من أجلّاء الصحابة وأكابرهم ونجبائهم، فضلا وعقلا وقربا من رسول الله ﷺ. وهو من أهل مكة ومن السابقين إلى الإسلام وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول الله ﷺ الأمين وصاحب سره ورفيقه في حلّه وترحاله وغزواته. وقال ﷺ: «استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل» . وحين سئل حذيفة عن رجل قريب السمت والهدي من النبي ﷺ ليأخذوا عنه، قال: (ما أعرف أحدا أعرف سمتا وهديا ودلّا (شكلا وشمائل) بالنبي ﷺ من ابن أم عبد (ابن مسعود» . (البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن مسعود ﵁، رقم (٣٥٤٩، ٣٥٥١» . أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وشهد فتوح الشام. روى عنه كثير من الصحابة والتابعين. وكان يقول: (أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل. وما أحد أعلم
[ ٢١٥ ]
الكريم فيقرئهم العشر آيات فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن والعمل به جميعا «١» .