والصحابة الكرام بجانب حيازتهم للصحبة وتشرفهم بها، كان ذلك ممدودا ومواكبا وحيويا، لنزول القرآن الكريم وترادف الوحي الذي به كانت تلك النعمة وكل النعم الآخرى، يرونه ويعيشونه ويحيون به. وكان كل ذلك فعالا في حياتهم عاملا في بنائهم فاصلا في مهماتهم، جمعوا به كل المفاخر وأقاموا كل العمائر وحازوا كل الماثر، بحيث إنه يوم توفي الرسول الكريم ﷺ منتقلا إلى الرفيق الأعلى، أحس المسلمون بفقدان ما تمتعوا به في تلك المدة التي قضوها مع رسول الله ﷺ وعرفوا مذاقها ووجدوا حلاوتها، فافتقدوا الوحي بانتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
فلقد ذهب أبو بكر وعمر﵄- إلى أم أيمن «٢» يزورونها،
_________________
(١) بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تبلّغنيه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته) . وورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحبّ أن يسمع القرآن غضا فليسمعه من ابن أم عبد» . وقد عاش عمره يعلّم القرآن الكريم وأمور الإسلام للناس في أكثر من مكان لا سيما في الكوفة. ثم عاد إلى المدينة المنورة حيث توفي فيها (٣٢ هـ)، ودفن بالبقيع ﵁ وأرضاه. انظر: الإصابة، (٢/ ٣٦٨)، رقم (٤٩٥٤) . الاستيعاب، (٣/ ٩٨٧، ٩٩٤)، رقم (١٦٥٩) . الوافي بالوفيات، (١٧/ ٦٠٤)، رقم (٥١٥) . الأعلام، (٤/ ١٣٧) . سيرة ابن هشام، (١/ ٣٣٦) . شرح الخشني، (١/ ٣٨٨) .
(٢) انظر: تفسير القرطبي، (١/ ٣٩) . التفسير، (٤/ ٢٢٥٣) . حياة الصحابة، (٣/ ١٧٦) .
(٣) أم أيمن (بركة) حاضنة الرسول ﷺ وكان يقول عنها: «أم أيمن أمي بعد أمي» . شهدت أحدا وخيبر مع رسول الله ﷺ وكانت تسقي الماء وتداوي الجرحى. الإصابة، (٤/ ٤٣٢)، رقم (١١٤٥) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٢٣) . الوافي بالوفيات، (١٠/ ١١٨)، رقم (٤٥٧٥) . أسد الغابة، (٧/ ٣٠٣) . الاستيعاب، (٤/ ١٧٩٣)، رقم (٣٢٥٢) . زاد المعاد، (١/ ٨٣) .
[ ٢١٦ ]
كما كان رسول الله ﷺ يزورها. فلما أتيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟
أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ؟ قالت: بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء.
فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها «١» .
لكن آثار هذه المدة العجيبة التي لا يكاد العقل يتصورها، لولا أنها وقعت حقا، تبقى تعمل في حياة البشر في كل زمان ومكان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها «٢» .