كان ﷺ يتفقد أصحابه الكرام دوما﵃- بعد الصلوات وغيرها ولا سيما بعد صلاة الصبح، «وكان رسول الله ﷺ إذا صلّى الصبح انصرف، فيتصفح وجوه أصحابه ينظر إليهم» «١» . كما جرى لعبد الله ذي البجادين المزني، الذي أسلم بعد فتح مكة، والذي جرّده عمه- وكان في حجره- من كل شيء، حتى جرده من ثوبه، بسبب إسلامه، فلم يأبه لذلك. فأتى أمه فقطعت بجادا لها باثنين، فاتّزر نصفا وارتدى نصفا، ثم أصبح فصلى مع رسول الله ﷺ الصبح. فلما صلّى رسول الله ﷺ تصفح الناس ينظر من أتاه- كان ﷺ يفعله دوما- فرآه رسول الله ﷺ فقال: «من أنت؟» قال: أنا عبد العزى، فقال: «أنت عبد الله ذو البجادين، فالزم بابي»، فلزم باب رسول الله ﷺ «٢» . فخرج مع رسول الله ﷺ في جيش
_________________
(١) مغازي الواقدي، (٣/ ١٠١٣، ١٠٢٨) . كذلك: ٣/ ٢٢٨) .
(٢) أسد الغابة، (٣/ ٢٢٨) . «والبجاد»: الكساء الغليظ الجافي. سيرة ابن هشام، (٣/ ٥٢٧- ٥٢٨) .
[ ١٤٦ ]
العسرة. ولعله كان دليلا في هذه الغزوة، فتوفي في تبوك «١» (رجب- أو بعده- السنة التاسعة للهجرة)، بعد إسلامه بقليل!
أما الصحابة الكرام﵃- فكان حبهم للرسول الكريم ﷺ يتجاوز كل أنواع الحب ودوافعه وتعبيراته. وكل حياتهم على ذلك دليل.
علما أن هذا الوضع الشرعي الذي يستدعيه الانتماء لهذا الدين لا بد أن يتجاوز مقداره ومستواه ونوعيته حب النفس والأهل والولد، كما مر بيانه.
ولكن هذا كان في نفوسهم حاضرا ومتدفقا وفعالا في واقع الحياة العملية لا يفتعلونه ولا ينبع من شعور إجباري أو دنيوي أو مشوب، بل هو حب مشبوب كانت نفوسهم متوازية متلازمة مع هذا، وهو ثمرة الصدق في الاتّباع لهذا الدين الإلهي ومنهجه الفريد الوحيد.
كان أحدهم يتمنى أن يفدي نفسه له ﷺ، ويجد في ذلك حلاوة ومتعة لا تعدلها متعة ولا تقدّم عليها، بل إن أحدهم ليستقل نفسه في هذا.
وكل أحداث السيرة الشريفة كذلك، في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وفي السلم والحرب تعبر عن ذلك أقوى تعبير. وخذ في ذلك مثلا ما جرى في غزوة أحد المشهودة.
وهذا الاستعداد المتقابل والتهيؤ المتواصل والتنامي المتماثل يجري في كل الأمور، وجرى لدى هؤلاء الأصحاب. وأقصد من ذلك أن تربية هؤلاء الأخيار على دين الله تعالى جعل نفوسهم مستعدة للامتثال، إلى حد أنها تمارس هذا المستوى ربما قبل نزول الأمر به من الله تعالى والكف عن المناهي قبل النهي بذلك فيها. حتى لتكاد نفوس هؤلاء الصحابة الكرام تطلب ذلك وتستشرفه وتتوق إليه قبل نزول الأمر فيه أو النهي عنه من الله تعالى، ويتولاه الرسول الكريم ﷺ. وهذا يمثل أحد معالم وميزات ومتفردات التربية القرآنية التي قد أرادها الله تعالى لأهل هذه الدعوة الربانية الكريمة التي لا تصلح
_________________
(١) سبل الهدى، (٥/ ٦٦١) .
[ ١٤٧ ]
الحياة إلا بها. وهي- إن شاء الله تعالى- مال أهل هذه الأرض.
ومهما حاول الأعداء الذين حاربوا وما زالوا يحاربون هذه الدعوة الكريمة فإن أمرها لابد قادم وقائم وغالب إن شاء الله تعالى وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .