وظني أن الذي كان يتولى من الصحابة الكرام أمرا من أمور المسلمين- أو مهمة أو تكليفا- سليمة كانت أو حربية أو إدارية، يقوم به وهو يحيا بهذا البناء ويتعامل معه ويخوض ميدانه، في كل مرة جديدة. ويذهب إليه ويتعامل مع قضاياه ويسلك فيه مسالكه الواقعية التطبيقية، فتظهر فيه الآثار والثمار الطيبة لتلك التربية الفريدة والبناء المتنور والغرس الضارب الجذور إلى أبعد الأعماق. فيظهر كل ذلك بثماره في الميدان الجديد والمعترك الموكول، فتتمثل في تصرفاته، صيغا رائعة جديدة وصورا باهرة فريدة.
عرفت من خلال التكليف بتلك المهمة التي بها ظهرت نوعية بنائه سلوكا، وأكسبته دراية وتعلية وتربية ليرتقي إلى قمة أخرى.
وأرى أن الميدان نفسه ليس هو الذي أكسبه ذلك، ولكن كان هو المناسبة التي ظهر فيها هذا النوع الفريد، بهذا الموقف النادر. وهكذا كانت المهمة الجديدة- التي قد تكون جديدة وأكثر صعوبة مما ألفه- مظهرة مواصفات تلك التربية وصيغتها الكريمة. وهذا يعني أيضا أن الشعور بالمسؤولية والقيام بالتكاليف تستدعي ما يناسبها علوا وقوة وهمة. استجابة
[ ١٠٥ ]
مع نوعية تلك المضامين والمضامير والمفاهيم الكامنة في ذلك البناء.
متناسبا مع تقديم تلك التكاليف والقيام بالواجبات الموكلة إليه، بأحسن نوعية من المستوى في التربية التي بها يستشعر المسؤولية ويستجيش المشاعر ويستدعي الطاقة بتمامها، حضورا أمام الله تعالى، مستمر التمرس والتمرن والتدرب على ارتقائها لقمّة أخرى. وهذا يشير إلى أن ذلك البناء كان من القوة بحيث يحتمل أية مهمة جديدة وتكليف قادم وعمل مرغوب لخدمة هذه الوجهة، مهما يتطلب من الهمة والقوة والمواصفات. ويجعله يحافظ ويلتزم بمستوى يبقي ذلك الواجب يؤدى بنفس تلك الصيغة والنموذج والمعدن.
وهذا يعني أن الذين يتولون المهمات العامة- في هذا البناء والأجواء والمجتمع- تظهر فيهم تلك المواصفات، بصيغ تحافظ على النوعية، في مستواها الجديد مهما كانت مغرياتها وأثقالها وصعوباتها. وتظهر- رغم ذلك كله- أكثر قوة وازدهارا وإبهارا، كلما كانت أكبر وأشد وأقوى. وانظر إلى كل من تولى من الصحابة الكرام- ومن بعدهم لقرون، وحتى الوقت الحاضر، ودوما هي كذلك- مهمة في الحياة الإسلامية. وهي جميعا لها صيغها الإسلامية وتعليماتها وآدابها، فيأخذ بها.
وكلما علت، تكثر فيها المواقف الأقوى والأعلى والأسمى، وتظهر وتبدي دقتها وترقيها، وتحرّج صاحبها ومحاسبته نفسه ومراقبة ذلك كله.
ومن هنا ورد عن بعض الصحابة إنهم كانوا يتركون الكثير من الحلال خشية الوقوع في الحرام.