وإن الذين صاغوا الحياة الإسلامية، وحموا الإسلام، وحملوا دعوته، هم الذين دوّنوا هذه العلوم، واعتنوا ببناء الحياة على الإسلام، قرآنا وسنّة- حديثا وسيرة وشمائل- وفقها وشريعة. وكان في هذا- كل منهم- على ثغرة في العلم والعمل. وهما في ضمير المسلم وحياته متلازمان، وما عرفوا العلم إلا كذلك ولكليهما. بل هم الذين رفعوا راية الجهاد والاستشهاد، كانوا أمثلة في الحياة والممات. والاطلاع على السيرة النبوية الشريفة يقدم الأمثلة الفرائد والشواهد الشواهق في كل الميادين، سلما وحربا، نساء ورجالا وأطفالا، وعجائز وشيوخا.
والحياة الإسلامية مليئة بأولئك الذين خدموا السّنّة والسيرة النبوية كلهم بالاقتداء، وبثّوها بالتدريس، ودوّنوها بالتأليف. وهناك العديد من علماء السيرة المشهورين الذين عرفوا بذلك، سواء أفردوها بالتأليف، أو ضمن مؤلّف عام، أو خصّوا الحديث عنها في جانب من جوانبها، تفصيلا أو اختصارا، أو مبثوثة هنا وهناك من مؤلفاتهم. وإن كثرة منهم من علماء الحديث ورواته والفقهاء والعلماء، في مشرق العالم الإسلامي ومغربه سواء. والأمثلة على ذلك كثيرة.
فمنهم ابن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ) وأبو عمر يوسف بن عبد البرّ (٤٦٣ هـ) وأبو علي الصّدفي- الذي استشهد سنة (٥١٤ هـ) - وأبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي- الذي استشهد سنة (٦٣٤ هـ) - وكل هؤلاء
[ ٧١ ]
أندلسيون. والشيخ ولي الله الدهلوي الهندي (١١٧٦ هـ) والإمام المجاهد الشهيد أحمد بن عرفان الهندي (١٢٤٦ هـ) .
فهؤلاء وأمثالهم، من قوافل كثيرة، طوال العصور والأجيال، هم بناة الحياة الكريمة الفاضلة. فكم لهم من وقفة للحقّ ناهضة، وللخير هارعة؛ بذلا للمال وإقداما بالنفس في كل حال. وكم في ذلك من بطولات وفروسيات حقة. وآخرون كثيرون قطّعت أجسامهم فما بدّلوا، وانفصلت أعضاء من أبدانهم فما تركوا ميدانهم، وأثخنت جوانبهم جراحات غائرة، وهم مقبلون وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦] .
تلك بعض نوادر الذين تربّوا على الإسلام في جوّ السيرة النبوية الشريفة، واغتذوا من ينابيعها الصافية الزّلال، ونموا في أحضانها الحنون، وجلسوا إلى مائدتها الطيبة الزاهية العبقة، في عصرها وما تلاها من عصور، وحتى يومنا هذا وما يتلوه ويتلوه.
والأخيار هم في كل مكان، وهم الأمناء على كل شيء، مما يخصّ هذه الأمة، وهم حماة شريعتها يفتدونها، ويتولون شؤونها، ويرعون أمورها.