هذا الحب والتضحية والالتزام ورّثه الصحابة الكرام لمن بعدهم. فلقد قال محمد بن كعب القرظي «١»: إن رجلا من أهل الكوفة قال لحذيفة بن اليمان «٢»: يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال:
فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا! «٣» .
فكيف لا يفعل المسلمون ذلك وأكثر منه. إنه الحب العميق الذي لم
_________________
(١) هو أبو حمزة بن كعب (١٠٨ هـ) من بني سليم القرظي (من بني قريظة) ثم الأوسي (من حلفاء الأوس)، الكوفي (ولد ونشأ فيها) ثم المدني. كان أبوه كعب من سبي بني قريظة (الذين استحيوا إذ وجدوا لم ينبتوا (صغارا غير محاربين) . الاستيعاب، (٣/ ١٣١٧)، رقم (٢١٩٤) . أسد الغابة، (٤/ ٤٧٩) . الإصابة، (٣/ ٢٩٧)، رقم (٧٤١٤) . ومحمد هذا تابعي، عالم بالتفسير ومن الأئمة فيه، الإمام العلامة الصادق، كان كبير القدر، موصوفا بالعلم والورع والصلاح. سير أعلام النبلاء، (٥/ ٦٥) . البداية والنهاية، (٩/ ٢٥٧) . عبر الذهبي، (١/ ١٢٤)
(٢) حذيفة بن اليمان (٣٦ هـ)، هو وأبوه من سادات الصحابة المهاجرين، وهو من الولاة الشجعان الفاتحين، وصاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين. ولاه عمر المدائن، وطلب ما يكفيه من القوت. وأقام هناك وأصلح البلاد. وروى له أصحاب الصحاح الستة (٢٢٥) حديثا. انظر: الاستيعاب، (١/ ٣٣٤)، رقم (٤٩٢) . أسد الغابة، (١/ ٤٦٨)، رقم (١١١٣) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٣٦١) .
(٣) سيرة ابن هشام، (٣/ ٢٣١- ٢٣٢) .
[ ٢٣٦ ]
يحدث أن أحدا أحب أحدا مثلما أحب الصحابة محمدا ﷺ «١» . وهكذا الأجيال التالية حتى يوم الدين، ونحن منهم إن شاء الله رب العالمين.
بل إن آخرين وإن لم يسلموا أعظموه وتمنوا أن يخدموه، ومنهم من أسلم حين سمع أخباره. وكثير من الأحبار والرهبان وحتى من ملوكهم، من عملوا ذلك. كما فعل هرقل (قيصر الروم)، الذي وجه إليه رسول الله ﷺ كتابه، بعد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة يدعوهم للإسلام.
فلقد روي عن عبد الله بن عباس﵄- أنه أخبر أن رسول الله ﷺ كتب إلى هرقل (قيصر الروم) يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي (نحو ٤٥ هـ) فقرئ الكتاب لهرقل، وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين. و: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] «٢»» .
وقد سأل هرقل عن صفات الرسول الكريم الحبيب ﷺ وأمور دعوته، فعلم أنه النبي الحق وقال: «وهذه صفة النبي، وقد كنت أعلم أنه خارج فيوشك أن يملك موضع قدمي هذين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت (عن) قدميه» «٣» .
_________________
(١) سبق ذكره حين الحديث عن خبيب بن عدي.
(٢) وأول الآية الكريمة قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ.
(٣) أخرجه البخاري: باب بدء الوحي، كتاب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم (٧) . كتاب الجهاد، باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة، رقم (٢٧٨٢)، (٣/ ١٠٧٤- ١٠٧٦) . ومسلم: رقم (١٧٧٣/ ٣) . حياة الصحابة، (١/ ١٣٤) . والمراد بالأريسيين: الأتباع من رعاياه والأتباع من أهل مملكته. وتجد في هذا الخبر
[ ٢٣٧ ]
وملوك آخرين قالوا شبه مقالته من أمثال النجاشي ملك الحبشة، وقريب من ذلك «باذان» ملك اليمن الفارسي.