وهكذا صرف الله عدوّ دينه ونبيّه والمسلمين، فأنزل بهم عقوبة يستحقونها. فانظر روعة هذا الدين ونصرة الله لأهله المخلصين، ونصرتهم له ولبعضهم، وحبهم لذلك كله، واسترخاص النفس من أجله «٢» .
_________________
(١) وأما ما كان من أمر عامر بن الطفيل أنه أتى النبي ﷺ بعد ذلك، وقال له: ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم» قال عامر: أتجعل لي الأمر- إن أسلمت- من بعدك؟ فرفض ﷺ ذلك (حياة الصحابة ٣/ ٥٤٨) . وقدّم عامر ثلاثة أشياء عرضها على الرسول ﷺ: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر (الحضر المدن) أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان (البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع، رقم ٣٨٦٠ وبعده) . فلما خرج من عند رسول الله ﷺ تهدده فردّ ﷺ عليه بقوله: «يمنعك الله» . وذهبت كلّ محاولاته هباء، مع رفيق له كان معه هو أربد بن قيس، كانا يريدان الغدر برسول الله ﷺ يريدان قتله. عامر يشاغل الرسول الكريم ﷺ. فقال عامر للرسول الكريم ﷺ: يا محمد خالّني (كلمني منفردا)، قال ﷺ: «لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له» . وجعل عامر يكرّر طلبه والرسول الكريم ﷺ يجيبه نفس الجواب. ثم حماه الله ﷾ منهما، وصرفهما عنه. ودعا عليهما الرسول الكريم ﷺ، فقتل الاثنان، هلكا في الطريق. أربد بصاعقة. أما عامر فأصابته آلام فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية. ثم ركب فرسه، ومات عليها راجعا. انظر تفاصيل ذلك: سيرة ابن هشام، (٣/ ٥٦٨) . زاد المعاد (٣/ ٦٠٣- ٦٠٥) . سبل الهدى (٦/ ٥٥٠- ٥٥٣) .
(٢) راجع: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي (٥٦) . حيث تجد أمثلة أخرى كثيرة.
[ ٤٦ ]
ثم لاحظ حبّهم لبعض، وكيف أن الرسول ﷺ رفض هدية المشرك وكيف رفض حلفا مع من يريد أن يسلم لمصلحة، معتمدا- في ذلك كلّه- على الله تعالى، رافضا كل تهديد، ومتأكّدا من نصر الله لأهل دعوته الذين يخلصون له، متوجّهين إليه وحده، ولا يخافون لومة لائم. أليس في ذلك عبرة ودرس وتذكرة؟
وكم من أطفال الصحابة- دون الخامسة عشرة- تقدّم للمعارك، ولما ردّهم رسول الله ﷺ- لصغر سنّهم- بكوا، يريدون الموت في سبيل الله «١» . وقل مثل ذلك في النساء والشيوخ «٢» .
وهكذا كان كلّ الجيل المثالي الفريد، جيل الصحابة الكريم الذين رباهم رسول الله ﷺ بيده، ونشّأهم على مائدة القرآن، بالوحي الرباني، قرآنا وسنّة وسيرة، فكانوا الجيل القدوة حتى لا يكون الأمر متمثّلا في أفراد متناثرين، هنا وهناك. فهم جيل كلهم كذلك، وليس فيهم غيرهم «٣» . ففي صلح الحديبية (السنة السادسة للهجرة) بايع جميع الصحابة- وعددهم ألف وخمسمئة- رسول الله ﷺ على الموت وعلى ألا يفرّوا «٤»، مع أنّهم لم يأتوا مستعدّين للحرب، لا نفسيا ولا حربيا.