وهذه الرهافة المؤمنة الربانية بلغت من الدقة والرقة والعمق إلى أنهم كانوا يتهمون أنفسهم لأدنى تقصير أو بدون تقصير، والشواهد كثيرة جدا.
خذ مثلا ما رواه الصحابي الجليل عن نفسه حنظلة بن الربيع الأسيدي (٥٠ هـ) المعروف بحنظلة الكاتب- وكان من كتاب الرسول ﷺ «١» - قال:
لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضّيعات، فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فو الله إنا لنلقى
_________________
(١) زاد المعاد، (١/ ١١٧) . ولقد سبقت الإشارة إليه قريبا باختصار. أعلاه، ص ٩٨.
[ ١٢٧ ]
مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ، قلت:
نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: «وما ذاك؟» قلت:
يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة» «١» .
وحين أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢]، تحرّج بعض الصحابة في حالهم، خوفا من أن يكونوا مشمولين بذلك. كان منهم أبو بكر وعمر «٢» .
_________________
(١) سبق ذكره أعلاه، ص ٩٧- ٩٩. أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر، رقم (٢٧٥٠) . والترمذي: كتاب صفة القيامة، باب (٥٩)، رقم (٢٥١٤) . وانظر كذلك: أسد الغابة، (٢/ ٦٥)، رقم (١٢٨٠) . الاستيعاب، (١/ ٣٧٩)، رقم (٥٤٨) . حياة الصحابة، (٣/ ٥٠)، (٣٢٠) . الوافي بالوفيات، (١٣/ ٢٠٩) . ومثله ورد عن أبي هريرة ﵁. حياة الصحابة، (٣/ ٣٢٠) . حتى كأنا رأي عين (بالرفع): كأنا بحال من يراها بعينه، (وبالنصب): نراها رأي عين. عافسنا: عالجنا أمورنا واشتغلنا بمعاشنا وتابعنا أعمالنا. والضيعات: جمع ضيعة، وهي المعاش من مال أو حرفة أو صناعة. وكان حنظلة معتزلا الفتنة حتى مات سنة (٥٠ هـ) ولما توفي حنظلة جزعت عليه امرأته فنهاها جاراتها وقلن لها: إن هذا يحبط أجرك، فقالت: تعجبت دعد لمحزونة تبكي على ذي شيبة شاحب إن تسأليني اليوم ما شفني أخبرك قولا ليس بالكاذب إنّ سواد العين أودى به حزن على حنظلة الكاتب وهذا يعبر عن مدى حب هذه المرأة المسلمة لزوجها وحسن العلاقة بينهما وعمق المحبة التي قامت في بيت بني على تقوى الله تعالى ومنهجه وطاعته.
(٢) البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحجرات، رقم (٤٥٦٤) .
[ ١٢٨ ]
أما ثابت بن قيس بن شمّاس، خطيب الأنصار «١»، فقد اتهم نفسه واعتبر أنه من أهل النار وقعد في بيته حزينا، ولكن الرسول الكريم ﷺ افتقده، فسأل عنه وعرف أمره، فطمأنه وأخبره أنه من أهل الجنة.
هؤلاء الصحابة الكرام- وهم خير القرون- رباهم الإسلام هذه التربية الفذة، نقلهم وأدخل الإيمان عليهم من جميع المنافذ، سكب معانيه في نفوسهم، فظهرت شاهدة شاهرة شاخصة، سلوكا رفيعا يعبر عن المعاني الإسلامية. وهذا واضح في الأسلوب القرآني وطريقة تعبيره ومنهجه التربوي الفريد، الذي به ربى الرسول الكريم ﷺ هؤلاء الأصحاب، نساء ورجالا وأطفالا.
وكثيرا ما نجد القرآن الكريم يقارن ويقابل ويواجه حالات هذا المستوى أمام ما تؤدي إليه مباعدة منهجه ومصير الضلال الذي ينتظر أهله من الخسران في الدنيا والآخرة، مجلّلا بالخزي والعذاب في نار جهنم، بشكل يكون التقابل متزاحما. فكلما ارتفع المؤمنون إلى مستوى التربية العجيب يظهر في الجانب الآخر المستوى المتدني التعيس البئيس، لمن جافى شرع الله تعالى وجانب الأخذ به والبعد عنه مهما كانوا وبلغوا. ويجعل ذلك طبيعيا- وتلك سنة الله تعالى في الفلاح والخسران- مثلما مقابل خسارة الدارين للكفر- والعياذ بالله- طبيعته الدنسة المركسة المفلسة، بعيدة عن الله تعالى، وهو غاية التردي والشقوة والمرارة. فإن الإيمان بالله تعالى ودينه يأخذ أصحابه إلى قمة فريدة من الرقة والرقي والقرب من الله تعالى والأنس بشرعه في الدنيا
_________________
(١) البخاري، نفسه، رقم (٤٥٦٥) . مسند الإمام أحمد، (٣/ ١٣٧) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٠٩) . كان ثابت بن قيس من نجباء الصحابة، شهد أحدا وبيعة الرضوان، وكان جهير الصوت خطيبا بليغا. وهو الذي خطب مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: رضينا. سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٠٩) . وكانت له مواقف في الرهافة، ذكرتها مصادر ترجمته.
[ ١٢٩ ]
والآخرة، والتنعم بجواره يوم القيامة. وبه ربحوا الدنيا والآخرة، مقابل خسارة الدارين للكافرين. وإننا دوما لنحمد الله تعالى على نعمة هذا الدين.
تلمس هذا واضحا في مواقع متعددة من القرآن الكريم، فالكافرون لا يكادون يحسون بذلك بما جنوه، فهم لا يريدونه، وغرتهم دنياهم بطرا وكبرا ووهما، مهما بلغ فعلهم وعنادهم واستكبارهم، ظنوا السراب ماء.
أما المؤمنون فقد ارتقوا بهذا الدين وحده في سلم الإنسانية، حين ارتقوا في سلم الإيمان بالله تعالى والعمل بشرعه، إيمانا واحتسابا، وأحسوا ببرد هذا الإيمان الذي ملأ نفوسهم وحياتهم، وملك تصرفاتهم، فلا عيش لهم بدونه.
وهذا يعني أن تفوق هذه المعاني الإيمانية وظهورها- لمن فاته أن يدركها في نصوصها- أن يراها ماثلة في حياة أهلها، وهو من واجباتهم، لا يتكلفونها أو يفتعلونها أو يدّعونها. والمؤمنون دوما تظهر عليهم معاني الإيمان بالله تعالى ودعوته، وهو طبيعتهم وواجبهم ومهمتهم، فإن حياتهم باستمرار تكون ترجمة قوية لها.
وهؤلاء المؤمنون بالإسلام ودعوته الكريمة، أصبحت هي كل حياتهم، وعاشوا بها ولها وفيها، حتى إنهم رغم طاعتهم المعهودة والتزامهم وإقبالهم يحسون بالتقصير، ويجدون المتعة الحقة والأنس الحبيب والسعادة الكبرى بالقرب منه، يرجون رحمة الله تعالى وعفوه، تقربا إليه وحده. ويتطلعون إلى الكمال أو استكمال المؤهلات ليستحقوا تمام العبودية لله تعالى، ساعين إلى جنة عرضها السموات والأرض متنعمين بثواب من الله على تقواهم وحسن اتباعهم وطاعتهم إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤- ٥٥] «١» .
لكنهم مع كل هذه الاستجابة والإقبال والاتّباع تراهم- لهذا البناء الكريم خائفين، رغم هذا التوجه، مقابل الآخرين المعرضين، لاهين مع ما هم
_________________
(١) «نهر»: السعة والضياء، والنّهر: (نهر الماء) .
[ ١٣٠ ]
فيه من غضب الله تعالى، ببعدهم عن شرعه المبين الذي تراهم فرحين بتقلبهم وتقبلهم الانحدار في هذا التّيه المنكود المشقي المزري.
وهذا التقابل يرسم مشهدا حيا ماثلا يبين الفرق الهائل المتقابل بين الذين آثروا رضا الله تعالى والجنة، وبين الذين عمدوا، فأخذوا طريق عصيان الله تعالى، فحازوا غضبه والنار.
فبينما أنت تقرأ عن الضالين: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: ٥٣- ٥٦] . إذا بك تقرأ بعدها مباشرة عن المؤمنين السعداء: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون:
٥٧- ٦١] . فهؤلاء متعلقون أشد التعلق وبشوق عميق ورغبة جامحة جدّ شديدة وإقبال عجيب على الله تعالى. وهم- ومع كل ما يقومون به ويؤدونه ويسارعون فيه- تراهم خائفين وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] .
فهؤلاء المؤمنون بالله وحده لا شريك له الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا لا شبيه له ولا نظير ولا كفء، ويؤمنون بكتبه، وآخرها القرآن الكريم، المكلفون بالعمل بما فيه، وبرسله وخاتمهم محمد بن عبد الله ﷺ، الذي أرسله الله ﷾ بهذا الدين، وهم مأمورون بمحبته واتباعه والاقتداء به. وهم قائمون بكل ذلك، ومع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من عذاب الله تعالى خائفون وجلون، فجمعوا مع الإحسان الشفقة. فعن عائشة أم المؤمنين﵂- أنها قالت: يا رسول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله ﷿؟ قال: «لا يا بنت الصّديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم
[ ١٣١ ]
ويتصدق، وهو يخاف الله ﷿» «١» .
فهذا هو ذلك الجيل القرآني الفريد الذي تربى بهذا الدين، على يد الرسول الكريم ﷺ. وهم وأمثالهم أقاموا دين الله تعالى وحموه وحملوه ونشروه وأقاموا وثبّتوا أعلامه في واقع الحياة. فكان يظهر أثره وثمره وجماله فيهم وفي الأجيال التي تلتهم، يتطلعون إلى الأعلى والأفضل والأرقى لما عند الله تعالى. وانظر ما يقوله عمر بن عبد العزيز (١٠١ هـ) - معبّرا عن ذلك- بعد أن تولى الخلافة: (إنّ لي نفسا توّاقة لم تتق إلى منزلة فنالتها، إلا تاقت إلى ما هو أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ليس بعدها منزلة، وإنها اليوم تاقت إلى الجنة) «٢» . وها هو يخاطب نفسه بهذا البيت من الشعر «٣»:
تجهّزي بجهاز تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا