كان التعبير عن السيرة النبوية الشريفة ﷺ؛ لعهد الرسالة المباركة والصحابة الكرام والأجيال التي تلتهم، - وإلى أن يشاء الله، في وراثة هذه الأرض ومن عليها- بكل سبيل ميمون.
وكذلك كان تماما الهدف منها، الحرص على تدوين أخبارها ودراستها وتحليلها، من كلّ جوانبها، بعمق وفقه وإقبال وتفتّح واحتمال، في ميادين مدرسة حياتية، يتبنّون معالمها، ويتجوّلون في مرابعها، وبأعلامها يحدون، وبعلامتها يهتدون، وفي دروبها يتواثبون.
وكان حرصهم على ذلك أعلى من أي شيء يملكونه، وأغلى من حياتهم، بل هي كذلك لها فداء، فباركهم الله، وبارك أعمارهم وجهودهم وجهادهم وكافة أعمالهم.
كان ذلك ثمرة لماجرياتها، وتحليلا لصفائها، وفقها لدروسها وعبرها، وتدقيقا لأخبارها، وتعميقا لمعانيها في النفوس، واستنباطا من آفاقها، بشمول وثقوب رأي.
وإنما عبّروا عن معانيها بكل ذلك؛ لأن السيرة النبوية الشريفة- مع السّنّة المطهرة، بجانب كونها المصدر الثاني للتشريع، بعد القرآن الكريم- هي كذلك إيضاح وبيان للإسلام كله. ولقد عرضها القرآن الكريم بصيغة مشاهد وشواهد، في الآفاق والأعماق، موكبا سائرا في الحياة، يواكبه المسلم على الدوام ويشهده؛ ليستمده في حاله وماله، بفهم ثاقب، وفكر نيّر، وقلب مستيقظ، ونفس مطمئنّة إلى الله تعالى، ومتّجهة إليه على الدوام.
[ ٥٨ ]
فالسيرة النبوية الشريفة شرح عمليّ، وتصوير للقرآن الكريم والإسلام كله، وإمحاض حق أكيد لمضامينه النقية المليئة بالخيرات.
وهكذا يتم بناء الحياة الإسلامية بكل جوانبها وقممها، يقوم عليها كل مسلم- نساء ورجالا- يشيدها حضارة ونضارة، يصونها ويحميها ويعليها.
ويمتد بها آفاقا وأعماقا، تنطلق طلائعها المباركة محمولة، علما وعملا، نورت مجتمعه وربت أرضه وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: ٧٧] .
فتحملها دعوة وسلوكا ورحمة تمضي بها إلى الآخرين، تقدّمها نقية حيّة إلى أهل الأرض أجمعين وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء:
١٠٧] .