وعلى ذلك اعتنى السلف بالسيرة النبوية الشريفة اعتناء الطاعة لله والمحبة فيه واعتناء الذي يتعبد الله تعالى بذلك.
فلقد ورد عن زين العابدين «١» علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلّم السورة من القرآن) «٢» . وكذلك ينقل عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ﵁ قوله: (كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول يا بنيّ هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها) «٣» . وكذلك الإمام محمد «٤» بن مسلم بن شهاب الزّهري عالم الحجاز والشام، ومن أقدم من اعتنى بجمع السيرة،
_________________
(١) قول هرقل: (ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغنّ ملكه ما تحت قدميّ) .
(٢) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٩٤ هـ ٧١٢ م) ﵁، من سادات التابعين، أمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس، مولده ووفاته بالمدينة المنورة، كان يقوت نحو مئة بيت سرا، فافتقد ذلك بعد موته. انظر سير أعلام النبلاء، (٤/ ٣٨٦) . البداية والنهاية، (٩/ ١٠٣) . وفيات الأعيان، (٣/ ٢٦٦) .
(٣) السيرة النبوية، أبو شهبة، (١٠/ ٨) .
(٤) البداية والنهاية، (٣/ ٢٤٢) . والذكر هنا يعني: الشرف.
(٥) محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري (١٢٤ هـ ٧٤٢ م) من أعلام التابعين، رأى عشرة من الصحابة، وحفظ علم الفقهاء السبعة. فهو تابعي من أهل المدينة. كان يحفظ ألفين ومئتي حديث، نصفها مسند. وهو من أول من دون الحديث، وكان أعلم بالسنة في زمانه وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء. كتب عمر بن عبد العزيز عنه إلى الآفاق: (عليكم بابن شهاب هذا فإنكم لا تلقون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه) . انظر: سير أعلام النبلاء، (٥/ ٣٣٦) . البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠) . وفيات الأعيان، (٤/ ١٧٧) .
[ ٢٣٨ ]
ولعله بسيرته- المفقودة أكثرها- يعتبر من أول المؤلفين في السيرة النبوية الشريفة في الإسلام، يقول: (في علم السيرة علم الدنيا والآخرة) «١»، جعلها علما قائما بذاته.
وهكذا هذه الكلمات كانت تعبيرا عن حقائق قائمة، ورثت تنفيذها وتطبيقها الأجيال التالية التي جعلت مكتبة السيرة النبوية عامرة مثل مكتبة السنة المطهرة، وكلاهما يتعانقان ويتداخلان. لقد كان هذا الاهتمام بالغا وشاملا ومتواصلا لأنه عبادة وللعبادة، ولمعرفة الإسلام كافة، بتطبيقاته العملية في الحياة بكل ميادينها وأمورها ومراميها.
فالصحابة مثلما لم تتغير مستوياتهم بل تأكدت وتثبتت واجتهدت، يتبعه ونبع منه أنه لم يتغير تحريهم وتعلقهم ونوعيتهم وآفاقهم.
وانظر ما فعله عقبة بن عامر الجهني «٢» (٥٨ هـ ٦٧٨ م) الذي رحل من المدينة المنورة إلى مصر ليتحقق من أحدهم حديثا عنده من رسول الله ﷺ، فأتى واليها مسلمة «٣» . فلما دعاه للراحة، قال لمسلمة: إني لم آتك زائرا، جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال رسول الله ﷺ (سمعته أنا وأنت): «من علم
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية، (٣/ ٢٤٣) . السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، (١/ ٨) .
(٢) عن عقبة بن عامر الجهني، انظر: الإصابة، (٢/ ٤٨٩)، رقم (٥٦٠١) . أسد الغابة، (٤/ ٥٣) . رقم (٣٧٠٥) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٤٦٧) . وهو من مشاهير الصحابة، وكان رديف النبي ﷺ. ولي مصر (٤٤- ٤٧ هـ)، وولي غزو البحر، وكان عالما مقرئا فصيحا شجاعا فقيها فرضيا راميا كاتبا شاعرا كبير الشأن. وهو أحد من جمع القرآن الكريم. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين كثيرين.
(٣) وهو الصحابي الجليل مسلمة بن مخلّد (٦٢ هـ ٦٨٣ م) . تولى إمارة مصر سنة (٤٧ هـ) إلى وفاته (وهو أول من جعل بنيان المنار في المساجد سنة ثلاث وخمسين) . المنار: أي التي هي محل التأذين في المنائر. عنه انظر: الاستيعاب، (٣/ ١٣٩٧)، رقم (٢٤٠٣) . أسد الغابة، (٥/ ١٧٤)، رقم (٤٩١٧) . سير أعلام النبلاء، (٣/ ٤٢٤) .
[ ٢٣٩ ]
من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة»؟ قال: نعم، قال: لهذا جئت. ثم عاد لتوه إلى المدينة «١» .
ومثل هذا متكرر في الصحابة ومن بعدهم. فعل ذلك جابر بن عبد الله ابن عمرو بن سلمة الأنصاري «٢» . وكذلك فعله أبو أيوب الأنصاري «٣»، إذ قدم من المدينة إلى مصر لأخذ حديث عند صحابي آخر هناك ثم رجع إلى المدينة على راحلته قبل أن يحل رحله «٤» . والأمثلة في ذلك كثيرة «٥» .
والصحابة قد ورّثوا هذا وغيره، مما تعلموه من رسول الله ﷺ، إلى من تلاهم من الأجيال. حيث ظلت كلماته ﷺ ترن في آذانهم وصورته لا تفارقهم، والقرآن الكريم وسنته وسيرته ﷺ في صدورهم تملأ نفوسهم وتعمّر قلوبهم. وعلى دربهم- في كل ذلك- سار التابعون ومن بعدهم.
فدوّنت كل ذلك وكانت مقوّما من مقومات الحياة الإسلامية، لمجتمع الأمة وحضارتها، يرتقي الناس عندها ويمتازون بها ويتبارون فيها، وفي حلبتها يتسابقون، تعلما وتمسكا واقتداء وخبرة، يبذلون ما اكتسبوه من علمها، ويتعبون لاقتنائه ويقدّمونه لكل أحد وينادون عليه بسلوكهم وحسن
_________________
(١) حياة الصحابة، (٣/ ١٩٨) .
(٢) جابر بن عبد الله بن عمرو بن سواد بن سلمة الأنصاري (٧٤ هـ) . من مشاهير الصحابة وأحد المكثرين من الرواية. روى له أصحاب الصحاح الستة (١٥٤٠) حديثا. شهد- هو وأبوه- العقبة الثانية، وأبوه أحد الاثني عشر نقيبا. وشهد هو مع رسول الله ﷺ أكثر من عشر غزوات. رحل إلى مصر والشام، من أجل حديث رسول الله ﷺ، واشترى بعيرا واشتد رحله وسار لأكثر من شهر من أجل ذلك، ثم عاد إلى المدينة، وكانت له في مسجد رسول الله ﷺ حلقة علم. راجع: الإصابة، (١/ ٢١٣)، رقم (١٠٢٦) سير أعلام النبلاء، (٣/ ١٨٩) . حياة الصحابة، (٣/ ١٩٦) .
(٣) عن أبي أيوب، انظر: سير أعلام النبلاء، (٢/ ٤٠٢) .
(٤) مسند الإمام أحمد، (٤/ ١٥٣) . سير أعلام النبلاء، «٣/ ٤٢٥) . حياة الصحابة، (٣/ ١٩٨) .
(٥) انظر: أضواء على الحضارة والتراث، لكاتب هذه السطور.
[ ٢٤٠ ]
الأسوة وصدق القدوة، وروعة المتابعة وحرص الانتهاج.
وهذا أمر لا يختص بعصر دون غيره. والمسلم الآن بحمد الله مستريح، أن لم يحدث أي تفلّت لشيء مما يتعلق بتلك السيرة، فكان تسجيلا شاملا كاملا لكل ما صدر عن رسول الله ﷺ. كأنه تسجيل يكاد أن يبلغك صوته، بل ترى كذلك صورته، ضمّ كلّ الدقائق والأحوال والأحداث، وكأنه شمل الزمن بكل لحظاته في نبوته الشريفة ﵊.
وهو أمر مستمر، بعد أن قيض الله لهذه السيرة من يحفظها، حتى في جزئياتها، في ليل أو نهار في يقظة أو منام في سلّم أو حرب، وعلى كل اجتماع وطعام وانفراد أو انقياد، في كل الملتقيات، السكون والحركة والسكوت والكلام، حتى في بيته وخاصة نفسه وحاله وخصوصيات تصرفاته وأنواع رغباته وألوان عباداته ودعواته، وكافة أخلاقياته العطرة وشمائله الخيرة وعموم سيرته النيرة، مع كل أحد وفي كافة الأحوال، وفي تعاملاته مع الجميع في البيت مع أهله وفي الحياة مع صحبه وفي اللقاآت مع القادمين والذاهبين ومع المتوجهين إلى الأقوام والشعوب والجماعات والزعماء والرؤساء والملوك في كافة مقاماتهم ومواقفهم وأوضاعهم، طاعة لله بشرعه الذي أرسله الله ﷾ به، وهو له خير قدوة، عبادة لله تعالى ومحبة فيه وسعيا لمرضاته.
وفي كل الأحوال لا تكاد تترك لحظة من ليل أو نهار، طوال تلك الأعوام الكريمة المضيئة الوضيئة الثلاثة والعشرين، عمر النبوة الشريف المبارك والمباركة، والرسالة الفاضلة والوحي المترادف والصلة المستمرة بالله رب العالمين «١» .
_________________
(١) جرت العناية بالتأليف في السيرة النبوية الشريفة، باتساعها وشمولها وأبعادها، في كل العصور. وقد ضمت المؤلفات في كل هذه الجوانب واعتنت بها، ودققت بعمق واضح فيها.
[ ٢٤١ ]
ويمكن على ذلك القول: إن هذه الصورة مستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. صورتان متقابلتان، كأنهما واحدة: صورة الصحبة وصورة القدوة والأسوة. فطوال العصور الإسلامية عاصر المسلمون الرسول الكريم ﷺ وصاحبوه.
الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- صاحبوه صحبة زمانية ومكانية، روحية ونفسية، وتلقوا عنه سماعا ورؤية ورواية، ففازوا بشرف الصحبة الذي لا شرف غيره بعده يدانيه، ويعلي هذه الصحبة وشرفها الإسلام الذي كانت به هذه الصحبة وشرفها الرفيع الفريد.
ولقد جاء في صحيح البخاري قول الرسول الكريم ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «١» .
وهي جزء من شرف الإسلام كله لا يصح بدونه، والذين أتوا من بعدهم صاحبوه ﷺ صحبة عملية، صاحبوه في سيرته ﷺ علما وعملا وتأليفا في السيرة والسنة، يفهمون الكثير من أمور القرآن من خلالها، كما يفهمون السيرة من خلال القرآن الكريم. فهما طريقان متعاونان متعانقان ملتقيان.
يؤدي كل منهما إلى الآخر، توافقا وتطابقا وتكاملا «٢» .