وأسفرت الأمة الإسلامية بقادة من كلّ لون، وأزهرت بهم الحياة، حكاما وعلماء وقادة وبناة وقضاة ودعاة، من هذا اللون يبنون في ظلال هذه المعاني. هؤلاء القادة من كل لون، هم القادة الحقيقيون.
والعلماء كانوا بالقيادة أملا وعملا، وللمجتمع موئلا وللجماهير حداة ومثلا، وفي الميادين والملمّات كان أحدهم فارسا وبطلا. والعلماء والقضاة والفقهاء منائر هذه الأمة وماثرها ومفاخرها ومعالمها وحماتها.
ومن النكبات أن تصاب هذه الأمة في علمائها، ولذلك فهم بالذات دوما كانوا- ويكونون- الهدف، يطلبهم الأعداء؛ لأنّهم حداة مواكب الخير في طريق الله المنير، ورعاة مراكب النجاة في ظلمات البحر الكبير، بما حافظوا كلمة الله تعالى، يبينونها للناس، ويحملونها في نفوسهم التي استرخصوها، جهادا وجلادا، لرفع راياته خفاقة لتبيّنه للناس.
والأمة عرفت قدرهم، وأسلمت مقودها لزمامهم، وملّكت أزمّتها أيديهم، أطاعتهم وأعطتهم ووقفت معهم، وما أكثر الأمثلة على ذلك! امتلأت بها بطون الكتب وسجلّات أيامه الغابرات والحاضرات، وكذلك المستقبلات، إن شاء الله ﷾ وبعونه. كان ذلك واضحا وخالصا
[ ٦٧ ]
وحثيثا لإعلاء كلمة الإسلام في كل عصر ومكان. وفي مختلف الظروف احتملوا الأعباء، وصبروا على البلاء، وتقدّموا لا يأبهون لطغيان العملاء، رفعوا أيديهم الأمينة القوية عالية يحملون اللواء.
ونتيجة لهذا الحرص على كل معاني الإسلام وتمثيله، وطاعة لله تعالى وعبادة له، كان مثله حرصهم على جمع السيرة وكتابتها، وتدقيق أخبارها، والسعي لتدوين وجمع كل ما يتعلق بها.
ولا يستطيع خدمة السيرة النبوية الشريفة وإتقان هذه الخدمة وإحسان تصويرها وتسطيرها، بشكل أصيل ودقيق وعميق، إلا من كان كذلك.
يفعلونه حبا لله تعالى وتقربا إليه وطاعة، وحبا لرسوله الكريم ﷺ، وبه يقتدون. وهم الذين تقدموا لكل واجب، خدمة وتضحية، ومنها الحفاظ على دين الله ﷾- بكل طريق- وعلى سنّة رسول الله ﷺ وسيرته، بكل ما تقتضيه، ومنه النهوض لدراستها، ونقلها، والكتابة فيها.