فالإسلام والأمة المسلمة حيثما بعث الله الأنبياء والرسل (﵈)، لا سيما منذ بعث الله خليله إبراهيم (﵇) وهو أبو الأنبياء جميعا (﵈) وأتباعه هم المسلمون، وصّاهم بذلك، وهي وصية
_________________
(١) سيرة ابن هشام، (١/ ٤٣٨) .
[ ١٨٩ ]
جميع الأنبياء (﵈) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
[الحج: ٧٧- ٧٨] .
وهذه الأمة كانت على منهج واحد هو منهج الله تعالى، على تتابع الأجيال وتوالي الرسالات حتى انتهت إلى خاتمهم محمد ﷺ، وأتباعه هم الذين حملوا هذه الأمانة وتحملوا مسؤوليتها وقبلوا وأدوا تبعتها، ما دامت تقوم بها بكامل احتشادها واستعدادها وإعدادها. ويوم تتخلى عن ذلك فتكون في ذيل القافلة، أو دون ذلك، فهي- عند ذلك- آخر الأمم، لا في العير ولا في النفير.
وقد مرت بالأمة في تاريخها أوقات من ذلك، لكنها بعودتها لمعاني هذا الدين وتجديد نفسها وإحياء مضامينه في حياتها تعود لمكانتها الكريمة وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] .
والطريق واضح والعودة دوما ممكنة ووعد الله قائم، بشروطه وحدوده ومستلزماته، أداء ووفاء وإقبالا. وليس منه الترامي هنا وهناك، مثلما حدث أحيانا في الماضي، منها أيام الطوائف في الأندلس في القرن الخامس الهجري. مثلما ليس منها التفلت والوقوع في المهاوي السحيقة الغارقة المغرقة، والانتساب للشرق أو للغرب، على فضلات شطائر مسمومة مدسوسة لا تجدي نفعا ولا تقيم وضعا، لا تسمن ولا تغني من جوع، أو فلم يرفع بهذا رأسا «١» .
_________________
(١) من حديث الرسول الكريم ﷺ، هو: قال ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا،
[ ١٩٠ ]
وإن الانتساب لهذه وتلك مدفوعة بأي شعار وادعاء وانتماء، وهم يعرفون أنها لا تبقي ولا تذر من الحق شيئا، حتى لو كانوا مخلصين، بعد أن جربنا كل تلك الشعارات والولاآت والانتما آت، وقد تملكت هذه كل أسباب القوة والأزمة والكلمة، فلم تثمر إلا أشد الثمار مرارة، دونها مرارة الحنظل الصحراوي المكتمل.
وقد حذرنا الله تعالى أقوى تحذير من كل ذلك، وأن أية دعوة (أو دعوى) غير دعوة الله تعالى هي جعل أو وضع للأمة في قافلة الأنعام، إن لم يكن أبعد من ذلك. والرسول ﷺ حذرنا من ذلك التفلت من دعوة الله أشد التحذير ووصفها بأنها منتنة وجاهلية ووثنية، وجعلها في أكثر من مناسبة تحت قدميه الشريفتين، كما قال ذلك مثلا في حجة الوداع: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي (هاتين) موضوع» «١» .
ولكنهم ومع ذلك مازال أناس ماضين فيه لا ينفكون عنه، يحملون الأمة وراءهم بالسياط، إن لم يتم ذلك بالاختيار. وهم دعاة على أبواب جهنم «٢»، ولا ينفعهم عند الله ما يدعون من الصلة بالإسلام.
_________________
(١) وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» . رواه البخاري: كتاب العلم، باب فضل من علم وعلّم، رقم (٧٩) . ورواه مسلم: كتاب الفضائل، باب مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم، رقم (٢٢٨٢) . وانظر البخاري: كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، رقم (٦١١٧، ٦١١٨) .
(٢) سنن أبي داود، كتاب المناسك (الحج)، باب صفة حجة النبي ﷺ، رقم (١٩٠٥)، (٢/ ٤٦١) . كذلك: مسند الإمام أحمد، (٥/ ٧٣) «ألا وإن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة» (من خطبة الوداع)، (٢/ ١٠٣) «ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإني قد أمضيتهما لأهلها» (يوم فتح مكة) .
(٣) من حديث الرسول الكريم ﷺ رواه البخاري، ونصه كما يرويه حذيفة بن اليمان، ﵁، فيقول: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن
[ ١٩١ ]
والواقع يشهد على تلك الآثار المرّة الناقعة الصارفة التي أورثتها هذه التوجهات، مشبوهة أو غير مشبوهة، صدرت عن جهل أو غفلة أو موجة.
فالإسلام ليس تراثا عربيا ومحمد ﷺ لم يكن قائدا عربيا، بل للأمة الإسلامية. حمل الرسالة الإسلامية إلى الناس كافة، ليست خاصة بهم.
ويدخل في هذه الأمة كل من اتبع دينه من أي جنس وبلد وقبيل. ويخرج منها كل من ليس كذلك دوما.
وكل من ابتعد عنها أو واجهها أو حاربها فليس منها في شيء، فلا أنساب ولا أصلاب، حتى لو كان ذؤابتها ورأسها وأقحاحها. وهذا واضح جدا ليس فقط من نصوص الإسلام- قرآنا وسنة وسيرة- بل وكذلك حتى روحه العام وطبيعته وتاريخه. ووضوحه ليس بحاجة إلى دليل.
وليس يصحّ في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
ولا ينكره إلا المماحكون الذين يريدون- متعمدين- إشاعة غير
_________________
(١) الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» . قلت: وهل بعد ذلك من خير؟ قال «نعم، وفيه دخن» . قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» . قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ فقال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» . فقلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» . قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» . كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٤١١) . وانظر كذلك: رقم (٣٤٠٨) . وحديث آخر يرد في هذا المعنى، رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات. رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة. لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا» . كتاب الجنة، باب النار والجنة، رقم (٢١٢٨) . كذلك: مسند الإمام أحمد، (٢/ ٣٥٦، ٤٤٠) .
[ ١٩٢ ]
الإسلام. وهم بذلك يريدون تحقيق أهداف معادية وصرف الناس عن دين الله، مهما ادعوا العلم وغيره. وهم بجانب ذلك إنهم يحجّرون واسعا، فهم يريدون سلخ الأمة من دينها، وليس حبا فيما يدعون إليه، بل ليختفوا وراءه، بل حربا للإسلام.
والعجيب أن هذا الاتجاه ينمو ويعمل له ويصر عليه في البلدان الإسلامية، ولا سيما بين البلدان العربية، وذلك لتشتيتها وقطع انتمائها لهذا الدين والقضاء على مصدر سعادتها وقوتها وعزتها.
وكان على أعداء الإسلام من منصرين (مبشرين) ومستشرقين ومستعمرين (هوية الجميع واحدة) يبحثون عن شيء يصرفون به المسلمين عن دينهم، فتقدم أفراد من المسلمين بإهدائهم بغيتهم بإيجاد تيار آخر غير إسلامي- وإن ألبسوه مضطرين، لا مفر- ثوبا مرقعا ممزعا وموزعا يحمل طلاء مدّعى أنه إسلامي، وليس كذلك أبدا. وبدلا من أن نهدي العالم إلى هذا الدين ليهتدوا به ويسعدوا ويحضّروا، أهداهم هؤلاء سلاحا لحرب الإسلام نفسه، واستعمال ألفاظ وكلمات ومصطلحات لإخفاء الحقائق- وما تخفى أبدا- لإفراغها من مضامينها وجعلها بعيدة عن معانيها ومدلولاتها الحقة، في خلط عجيب وغريب مفضوح، ادعاء ودعاية ورواية وبأي ألفاظ، ترقيعا وتمييعا وترويعا.
وفي معركة بدر (١٧ رمضان السنة الثانية للهجرة) قاتل المسلمون المشركين العرب، الذين قتل منهم سبعون، من زعمائهم من قريش وسادة مكة مثل أبي جهل، فرعون هذه الأمة «١» .
كما أنه ﷺ وصف أسارى بدر من المشركين (العرب) الذين وقعوا في أسر المسلمين (العرب) يوم بدر بأنهم نتنى (جيف) . وكان عددهم سبعين مثل عدد قتلاهم- فيهم أشراف قريش وزعماؤهم- قومه ﷺ- ولكنهم كفرة
_________________
(١) سبل الهدى والرشاد، (٤/ ٧٧، ٧٩- ٨٠) .
[ ١٩٣ ]
مشركون، من أمثال سهيل بن عمرو «١»، بل كان فيهم من أبناء عمومته ﷺ من بني هاشم من أمثال عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب «٢» من بني هاشم ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب «٣» . بل كان في هؤلاء الأسارى أبو العاص بن الربيع صهر رسول الله ﷺ وختنه، زوج زينب﵂- كبرى (أكبر) بناته، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد أم المؤمنين﵂- زوج بل أول زوجات الرسول الكريم ﷺ، لأمها وأبيها «٤» . ومع كل ذلك فقد وصف الرسول الكريم ﷺ هؤلاء الأسرى في بدر بأنهم جميعا جيف، بقوله: «لو كان المطعم بن عديّ حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له» «٥»، والنتانة هذه معنوية بسبب
_________________
(١) سيرة ابن هشام، (١/ ٦٤٩) .
(٢) سير أعلام النبلاء، (١/ ٢١٨) . أسد الغابة، (٤/ ٦٣) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٣) .
(٣) سير أعلام النبلاء، (١/ ١٩٩) . أسد الغابة، (٥/ ٣٦٩) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٣) . وأسلم بعد فداء نفسه، وهاجر إلى المدينة أيام الخندق. وسبق تفصيل كيفية إسلامه.
(٤) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٣٠) . أسد الغابة، (٦/ ١٨٥)، (٧/ ١٣٠) . سيرة ابن هشام، (١/ ٦٥١) . وأسلم أبو العاص بن الربيع قبل الحديبية، وكان الرسول ﷺ قد فرق بينهما، فهي لم تعد- بعد الإسلام- تحل له، إذ هي مسلمة وهو كافر مشرك. ولكنها عادت إليه بعد إسلامه قبل الحديبية. سيرة ابن هشام، (١/ ٦٥٧) . وانظر المصادر المذكورة آنفا في نفس هذه الحاشية.
(٥) رواه البخاري: كتاب الخمس، باب ما منّ النبي ﷺ على الأسارى، رقم (٢٩٧٠) . انظر كذلك: سير أعلام النبلاء، (٣/ ٩٥) . أسد الغابة، (٣/ ٣٢٣) . وكان المطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي (من عمومة رسول الله ﷺ. وهو أحد الذين قاموا بنقض صحيفة القطيعة (المقاطعة» . سيرة ابن هشام، (١/ ٣٧٥) . وكان يحنو على أهل الشعب، وأجار رسول الله ﷺ حين رجع من الطائف ليدخل مكة، وقد منعه أهلها منها! فأجاره. ومات المطعم قبل بدر بعدة شهور وله نيف وتسعون سنة. ولم ينس رسول الله ﷺ له تلك اليد، حاشاه فهو سيد الأوفياء. سيرة ابن هشام، (٣/ ٣٨١) . سير أعلام النبلاء، (٣/ ٩٥) . أسد الغابة، (١/ ٣٢٣) . وابنه جبير بن مطعم بن عدي، أسلم بين الحديبية وفتح مكة. الإصابة، (١/ ٢٦٦)،
[ ١٩٤ ]
كفرهم، فهم كذلك جميعا أحياء وأمواتا.
ومما ينسجم ذكره مع هذه الوجهة ذلك أنه في معركة الخندق (الأحزاب) شوال السنة الخامسة للهجرة حاول بعض فرسان قريش اقتحام الخندق فأمكن عدد منهم ذلك، فقتل من قتل وهرب الباقون طالبين النجاة.
وكان ممن قتل عمرو بن عبد ودّ العامري، وهو من فوارس العرب وشجعانهم وأبطالهم المعلمين.
فلما بارزه علي بن أبي طالب﵁ وكرم الله وجهه- قتله، وحمل الزبير بن العوام (حواري رسول الله ﷺ) على نوفل بن عبد الله حتى شقه باثنين وكاد يقتل فرسه بنفس الضربة. فقيل له: يا أبا عبد الله ما رأينا مثل سيفك، فقال: والله ما هو السيف، ولكنها الساعد «١» . وكان رسول الله ﷺ قد دعا له ولسيفه من قبل، فبارك الله تعالى له ذلك.
وبقيت الجثتان (عمرو بن عبد ود ونوفل بن عبد الله) أياما فأرسل المشركون يريدون جثة عمرو بن عبد ود وعرضوا ثمنا ضخما لذلك، فقال لهم ﷺ: «لا خير في جيفته ولا في ثمنه، ادفعوه إليهم فإنه خبيث الجيفة (الجثّة) خبيث الدية» . فلم يقبل منهم شيئا، وقال ﷺ مثل ذلك حين طلبوا جثة نوفل مقابل دية، فقال: «إنه خبيث الدية، فلعنه الله ولعن ديته فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه» «٢» .
_________________
(١) رقم (٤٥٧٣) . ولكن الإسلام كان يدق قلبه، من بعد بدر حين ذهب إلى المدينة لفداء بعض أسارى بدر، حيث سمع الرسول الكريم ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور. ويأتي على هذا المنوال منع أم المؤمنين رملة أم حبيبة (بنت أبي سفيان) أباها من الجلوس على فراش رسول الله ﷺ يوم جاء إلى المدينة ليؤكد ويمد العقد لصلح الحديبية وقالت له: (هذا فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس) قالت ذلك لأبيها!!!
(٢) سبل الهدى، (٤/ ٥٣٥) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٥١) .
(٣) سبل الهدى، (٤/ ٥٣٦) .
[ ١٩٥ ]