هكذا كانت عناية الرسول الكريم ﷺ بهؤلاء الصحابة الكرام، به يقتدون، وإليه يهرعون وعنده يجدون التوجيه، فترتاح قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وتقرّ عيونهم. يجدون عنده الاستجابة والعناية والحنو الغامر، فينطلقون إلى الحياة عاملين أقوياء. بل إن العناية النبوية كانت تفوق كل تصور، حتى العناية بالأسماء- إذا كانت- يغيّر الجاهلية منها إلى الصيغ الإسلامية، كما رأينا آنفا بالنسبة لعبد عمرو الأصم، وسبق عند عبد الله ذي البجادين حين كان اسمه عبد العزى فغيره ﷺ. وهذه كثيرة جدا. بل إنه ﷺ كان نفسه يتفقدهم ويسألهم عما يشغلهم، ويعرض عليهم ما يقربهم ويراه مهما لهم، وما عليهم أن يكون لهم.
_________________
(١) . كذلك المصادر المذكورة في الحاشية السابقة. والوفد المذكور- وسيدهم معاوية البكائي- أقام أياما في المدينة المنورة في ضيافة رسول الله ﷺ، ثم عادوا موفورين. فكانت بركات مسحة النبي ﷺ أن السّنة (القحط) تصيب بني البكاء، ولا تصيب آل معاوية. الإصابة، (١/ ٧٥٣)، رقم (٢١٢) . أما عبد عمرو الأصم فقد سماه الرسول الكريم ﷺ عبد الرحمن «وكتب له بمائه الذي أسلم عليه بذي القصّة (موضع قرب المدينة) . وكان عبد الرحمن من أصحاب الظّلة يعني الصّفة صفة المسجد» . طبقات ابن سعد، (١/ ٣٠٥) . سبل الهدى، (٦/ ٤٢٧) . الإصابة، (٢/ ٣٦٢)، رقم (٤٩١٤) . «أعنز»: جمع عنز، وهي الأنثى من المعز، والظباء (ظبي غزال) . وذكر أن عدد هذه الأعنز كان سبعا. الاستيعاب، (١٤١٣)، رقم (٢٤٣٠) . «عفر»: جمع عفراء، وهي البيضاء. «ثواجل»: عظيمات البطون (من اللبن) . وهي جمع مفردها: ثجلاء، وليس نواجل (كما ورد عند بعضهم) . سبل الهدى، (٦/ ٤٢٦) . طبقات ابن سعد، (١/ ٣٠٤) . سيرة ابن كثير، (٤/ ١٧٥) . فإن نواجل جمع مفردها نجلاء: الواسعة. «اللّجبات»: القليلات اللبن، وهي جمع مفردها لجبة، وهي الشاة قلّ لبنها. والمعنى: أن هذه الأعنز لسن قليلات اللبن، بل هن عظيمات البطون ممتلآت باللبن (الحليب) . «رفد» (رقد) القدح الضحم. «الغدوات»: جمع مفردها: الغداة (الغدوة): وهي ما بين الفجر وطلوع الشمس.
[ ١٤١ ]
ولربيعة بن كعب الأسلمي الأنصاري نفسه قصة أخرى توضح ذلك، وهي مثال له وشاهد، وتحمل معاني جمة كريمة عالية متنوعة. يقول ربيعة: كنت أخدم رسول الله ﷺ فقال: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» قلت: والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحبّ أن يشغلني عنك شيء، فأعرض عني، فخدمته ما خدمته، ثم قال لي الثانية:
«يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء. فأعرض عني، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: والله لرسول الله ﷺ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني، والله لئن قال: تزوّج لأقولنّ: نعم، يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال:
«يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: بلى، مرني بما شئت، قال: «انطلق إلى آل فلان- حيّ من الأنصار، كان فيهم تراخ عن النبي ﷺ- فقل لهم: «إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوّجوني فلانة»، لامرأة منهم.
فذهبت فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانة، فقالوا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله ﷺ، والله لا يرجع رسول رسول الله ﷺ إلا بحاجته، فزوجوني وألطفوني وما سألوني البيّنة.
فرجعت إلى رسول الله ﷺ حزينا فقال لي: «ما لك يا ربيعة؟» . فقلت:
يا رسول الله أتيت قوما كراما فزوجوني وأكرموني وألطفوني وما سألوني بيّنة، وليس عندي صداق. فقال رسول الله ﷺ: «يا بريدة الأسلمي، اجمعوا له وزن نواة من ذهب»، قال: فجمعوا لي وزن نواة من ذهب، فأخذت ما جمعوا لي فأتيت به النبي ﷺ فقال: «اذهب بهذا إليهم فقل:
هذا صداقها»، فأتيتهم فقلت: هذا صداقها، فرضوه وقبلوه، وقالوا:
كثير طيب. قال: ثم رجعت إلى النبي ﷺ حزينا، فقال: «يا ربيعة ما لك حزين؟» فقلت: يا رسول الله ما رأيت قوما أكرم منهم، رضوا بما أتيتهم وأحسنوا، وقالوا: كثير طيب، وليس عندي ما أولم، قال: «يا بريدة اجمعوا له شاة» قال: فجمعوا لي كبشا عظيما سمينا، فقال لي رسول الله
[ ١٤٢ ]
ﷺ: «اذهب إلى عائشة فقل لها: فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام»، قال: فأتيت إليها فقلت لها ما أمرني به رسول الله ﷺ، فقالت: هذا المكتل فيه تسع آصع شعير، لا والله إن أصبح لنا طعام غيره، خذه. فأخذته فأتيت به النبي ﷺ وأخبرته بما قالت عائشة، فقال: «اذهب بهذا إليهم فقل:
ليصبح هذا عندكم خبزا وهذا طبيخا»، فذهبت إليهم وذهبت بالكبش ومعي أناس من أسلم، فقلت: ليصبح هذا عندكم خبزا وهذا طبيخا، فقالوا: أما الخبز فسنكفيكموه، وأما الكبش فاكفونا أنتم، فأخذنا الكبش أنا وأناس من أسلم فذبحناه وسلخناه وطبخناه، فأصبح عندنا خبز ولحم، فأولمت ودعوت رسول الله ﷺ «١» .