ولعل من لطف الله تعالى: أن حياة رسول الله ﷺ قبل النبوة، كانت
_________________
(١) التفسير، (٣/ ١٥٧٥)، (٦/ ٣٤٨٤) . رواه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا»، رقم (٣٤٧٠)، (٣/ ١٣٤٣) . ومسلم: أرقام (٢٥٤٠- ٢٥٤١) . كذلك. زاد المعاد، (٣/ ٤١٦) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٤٣١) . وسبق ذكره.
(٢) هذا الموضوع بحاجة إلى بحث مستقل نجد في كثير من كتب السنة المطهرة والحديث الشريف مادة طيبة عن السيرة الشريفة. انظر: السيرة النبوية، أبو شهبة، (١/ ٢٧) .
[ ٢٤٢ ]
معروفة ليس فيها مجهول، يعرفها قومه وأهل بلده، منذ صغره، وبتفاصيل كثيرة، بل وبكل تفاصيلها.
فهي واضحة مكشوفة مرئية بسهولة- ولذلك حكمة- وليس فحسب، كي لا يكون الرسول الخاتم والنبي الكريم ﷺ مجهولا، مما قد يثير شيئا من التّقوّل، وعلى غير أساس، لكنها بجانب ذلك كانت- بفضل الله تعالى ورعايته وتوجيهه- واضحة ملموسة، بطهارتها وصونها وتمايزها ومغايرتها لما ألف قومه، كي لا يكون فيها مجال للمتقولين، أو حجة للمتعللين، أو مدخل للطاعنين، بل تكون موضعا للمتيقنين، وهي دليل قوي بليغ مكين، مؤكد صدق نبوته. وهي أيضا أحد الأدلة، على أن يد الله كانت ترعاه، إعدادا لحمل هذه الرسالة الخاتمة إلى أهل الأرض أجمعين. وليس في عصره فحسب ولكن في كل العصور، إلى يوم الدين. فلا بد أن تكون كل هذه الأمور متوافرة متضافرة، بما يتناسب وهذه الرسالة الخاتمة الشاملة الكاملة، المتفردة الدائمة المهيمنة دوما.
بحيث تكون كل أدلتها واضحة ويجد الجميع في كل العصور الأدلة القوية على كل اعتبار وأي اتجاه، بحيث لا تبقى في أي مسألة حجة لمعتذر بلغته رسالته أن يمتنع من الالتحاق بها، ويجد لذلك عذرا. وهذا طبعا بجانب الإسلام نفسه، وحيث كانت السيرة واحدة من ثمراته الطيبة. وكل ما فيه- ابتداء من القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ إلى حياته وسيرته وكل شمائله، كلها ليس فقط مجتمعه بل حتى كل واحدة بمفردها- تقود لذلك وتدل عليه بقوة ووضوح. والإسلام جاء بالأدلة المتنوعة العريضة تمتلك النفوس وتشملها، مهما كانت نوازعها ومنازعها.
وإن موقع مثل هذه الرسالة بحاجة إلى كل تلك العناية الإلهية، والله تعالى أحكم وأعلم وأكرم وأرحم. وهذا أمر امتازت به هذه الرسالة الإسلامية الربانية، حتى على غيرها من رسالات الله. وهي خاتمها ومهيمنة عليها وناسخة لها، تدعو كل أهل الأرض للإيمان بها، يؤمن بها كل أحد،
[ ٢٤٣ ]
ويدعو أهل الرسالات السابقة. وهم أولى أن يؤمنوا بها، والرسول الكريم ﷺ يقول: «أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علّات، ليس بيني وبينه نبي» وكذلك: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» «١» .