حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ثنا محمد بن بشار ثنا [أبو] «١١» عامر ثنا
_________________
(١) من السنن، وفي الأصل: ليصلي.
(٢) زيد من السنن.
(٣) العبارة من هنا إلى «خطب الناس وحدثهم» تكررت في الأصل.
(٤) والعبارة من هنا إلى «بالبيت عريان» ليست في سنن النسائي- الخطبة يوم التروية، ولا في مسند الدارمي- باب في خطبة الموسم، ولا في سنن البيهقي- باب الخطب.
(٥) ف الأصل: نبذ، والتصحيح بناء على ما ورد في سمط النجوم ٢/ ٢٢٠: وبعث عليا خلفه بسورة براءة لينبذ إلى كل ذي عهد عهده وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
(٦) زيد ولا بد منه.
(٧) زيد من سمط النجوم.
(٨) زيد من سنن النسائي.
(٩) من السنن، ووقع في الأصل: وعليهم- مصحفا.
(١٠) وراجع أيضا السيرة النبوية بهامش إنسان العيون ٢/ ٤٤٣.
(١١) زيد من صحيح البخاري وفد عبد القيس من المغازي.
[ ١ / ٣٨٤ ]
قرة «١» بن خالد عن أبي جمرة «٢» الضبعي قال: قلت لابن عباس: إن لي جرة ينبذ لي فيها، فإذا أطلت الجلوس مع القوم خشيت «٣» أن أفتضح من حلاوته، قال:
قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال: «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» ! قالوا: يا رسول الله! إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل [إليك] «٤» إلا في أشهر الحرام فحدثنا جملا «٥» من الأمر إذا أخذنا به دخلنا الجنة وندعو إليه من وراءنا، فقال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله»؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، و[أن] «٤» تعطوا الخمس من المغنم؛ وأنهاكم عن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت» «٦» .
قال: في أول هذه السنة قدم وفد عبد القيس «٧» على رسول الله ﷺ، فلما دنوا من المدينة تركوا رواحلهم وبادروا إلى النبي ﷺ، ونزل عبد الله بن الأشج العبدي فعقل راحلته ونزع ثيابه فلبسها ثم أتى رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة» «٨» - سألوه عما ذكرنا.
ثم بعث «٩» رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان «١٠» في شهر ربيع
_________________
(١) من الصحيح، وفي الأصل: فروة.
(٢) من الصحيح، وفي الأصل: أبي حمزة.
(٣) من الصحيح، وفي الأصل: خشية.
(٤) زيد من صحيح البخاري.
(٥) في الأصل: عملا، وفي الصحيح: بجمل.
(٦) ساقه البخاري باختلاف يسير عما هنا.
(٧) وفي إنسان العيون ٣/ ٣٠٩: وقول الواقدي: إن قدوم وفد عبد القيس كان في سنة ثمان- ليس بصحيح، لكن ذكر بعضهم أن لعبد القيس وفدتين: واحدة كانت قبل فرض الحج؛ وواحدة بعده، والقائل بالوفدتين هو ابن حجر- راجع وفد عبد القيس في فتح الباري.
(٨) ساقه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٢٣، والحلبي في إنسان العيون ٣/ ٣٠٨، وابن حجر في فتح الباري- وفد عبد القيس.
(٩) ذكره في الطبري ٣/ ١٥٦ والسيرة ٣/ ٧١ والسيرة النبوية بهامش إنسان العيون ٢/ ٤٤٧.
(١٠) من السيرة النبوية، وفي الأصل: عبد المهاف- كذا، وفي السيرة النبوية بفتح الميم بوزن سحاب:
[ ١ / ٣٨٥ ]
الأول وهم بنو الحارث بن كعب وأسلموا، وأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم.
ثم بعث رسول الله ﷺ عمرو «١» بن حزم عاملا على نجران، فخرج وأقام عندهم يعلمهم السنة ومعالم الإسلام إلى أن توفي رسول الله ﷺ وهو على نجران «٢» .
وقدم عدي بن حاتم الطائي ومعه صليب من ذهب، فقال النبي ﷺ: «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله» «٣» .
وقدم بعده وفد طيء فيهم زيد الخيل وهو رأسهم «٤» .
ثم قدم جرير بن عبد الله البجلي، فبعثه رسول الله ﷺ إلى هدم «٥» ذي الخلصة «٥»، فهدمها.
ثم قدم وفد الأزد رأسهم صرّد بن عبد الله «٦» في بضعة عشر رجلا، وبعثه رسول الله ﷺ إلى جرش فافتتحها، وكان عاملا للنبي ﷺ.
وولد محمد بن عمرو بن حزم بنجران، فكتب عمرو إلى رسول الله ﷺ بذلك وأخبره أنه سماه محمدا وكناه أبا سليمان «٧» .
_________________
(١) اسم صنم، وعبد المدان الذي نسبت القبيلة إليه هو جدهم الأعلى واسمه عمرو بن يزيد.
(٢) من الطبري ٣/ ١٥٧ والسيرة ٣/ ٧٢، وفي الأصل: محمد.
(٣) ومثله في الطبري ٣/ ١٥٨ إحالة على الواقدي.
(٤) ذكره في السيرة ٣/ ٦٥ بغير هذا السياق.
(٥) ذكره في السيرة ٣/ ٦٤ وإنسان العيون ٣/ ٣١٢ بأطول مما هنا. (٥- ٥) من الطبري ٣/ ١٧٣، وفي الأصل: الحليصة- كذا، وراجع أيضا صحيح البخاري- ذو الخلصة من المغازي.
(٦) من الطبري ٣/ ١٥٨ والإصابة- راجع ترجمة صرد، وفي الأصل: عبيد الله.
(٧) والذي يتأتى من ترجمته في الإصابة هو أن النبي ﷺ سماه محمدا وكناه بعبد الملك.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وقدم وفد سلامان «١»، وهم سبعة نفر رأسهم حبيب السلاماني «٢» .
وقدم وفد «٣» بني حنيفة فيهم مسيلمة فقال: يا محمد! إن جعلت لي الأمر بعدك آمنت بك وصدقتك، وفي يد رسول الله ﷺ جريدة فقال النبي ﷺ: «لو سألتني هذه الجريدة «٤» ما أعطيتكها «٤» ! ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، إني لأراك «٥» الذي أريت»، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «بينا «٦» أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحي إليّ [في المنام أن] «٧» أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين: أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة» .
وقدم وفد غسان «٨» ووفد عبس «٩» ووفد كندة «١٠» ووفد محارب «١١» ووفد خولان «١٢»، وكان النبي ﷺ إذا قدم عليه الوفود لبس أحسن ثيابه وأمر أحبابه بذلك.
وقدم وفد مراد «١٣» رأسهم فروة بن مسيك المرادي، واستعمله رسول الله ﷺ على مراد ومذحج. وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على الصدقات إليهم وكتب لهم كتابا بذلك.
_________________
(١) من الطبري ٣/ ١٥٨ وإنسان العيون ٣/ ٣٣١، وفي الأصل: سلابان.
(٢) من الطبري وإنسان العيون والإصابة- راجع حبيب بن عمرو، وفي الأصل: السلامي.
(٣) ذكره في الطبري ٣/ ١٦٢ والسيرة ٣/ ٦٤ وصحيح البخاري- المغازي وفد بني حنيفة. (٤- ٤) من صحيح البخاري، وفي الأصل: فأعطيتكها.
(٤) من الصحيح، وفي الأصل: لا أريد.
(٥) من الصحيح، وفي الأصل: هنا.
(٦) زيد من الصحيح.
(٧) ذكره في الطبري ٣/ ١٥٨ وإنسان العيون ٣/ ٣٣١.
(٨) ذكره في إنسان العيون ٣/ ٣٣١.
(٩) ذكره في الطبري/ ١٦٣ وإنسان العيون ٣/ ٣١٥.
(١٠) ذكره في الطبري ٣/ ١٦٣ وإنسان العيون ٣/ ٣٢٩.
(١١) ذكره في إنسان العيون ٣/ ٣٢٨.
(١٢) ذكره تفصيلا في الطبري ٣/ ١٦٠ والسيرة ٣/ ٦٦.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ودخل «١» أبو ذر على رسول الله ﷺ المسجد وهو [جالس] «٢» وحده فقال «٣»:
«يا أبا ذر! إن للمسجد تحية»، قال: وما تحيته يا رسول الله؟ قال: «ركعتان»، فقام فركعهما، ثم قال: إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: «خير موضوع فمن شاء أقل ومن شاء أكثر» ! فقال: يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:
«إيمان بالله وجهاد في سبيله»، قال: فأي المؤمنين أكملهم «٤» إيمانا؟ قال:
«أحسنهم خلقا»، قال: فأي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده»، قال: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر السوء»، قال: فأي الليل أفضل؟ قال: «جوف الليل الغابر»، قال: فأي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت»، قال «٥»: فأي الرقاب أفضل، قال: «أغلاها «٦» ثمنا وأنفسها عند أهلها»، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق «٧» دمه»، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد من مقل إلى فقير في سر»، قال: فما الصوم أفضل؟ قال:
«فرض مجزي وعند الله أضعاف كثيرة»، قال: فأي آية [مما] «٨» أنزلها الله عليك أفضل؟ قال: «آية الكرسي» «٩»، قال: يا رسول الله! كم النبيون قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، قال: كم المرسلون منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا»، قال: من كان أول الأنبياء؟ قال: «آدم»، قال: وكان من الأنبياء
_________________
(١) هذا الحديث ذكره بطوله في الحلية ١/ ١٦٦- ١٦٨ عن الحسن بن سفيان، وأيضا عنه ذكره في كنز العمال- كتاب المواعظ من قسم الأفعال بالإحالة على صحيح ابن حبان والحلية وتاريخ ابن عساكر، وأيضا ذكره في مسند الإمام أحمد ٥/ ٢٦٥ مختصرا.
(٢) زيد من الحلية والكنز.
(٣) من الحلية والكنز، وفي الأصل: وقال.
(٤) من الحلية والكنز، وفي الأصل: اكمل.
(٥) وإن هنا تقدما وتأخرا بالنسبة إلى الحلية والكنز.
(٦) من الحلية والكنز، وفي الأصل: أعلاها.
(٧) من الحلية والكنز، وفي الأصل: إهراق.
(٨) زيد من الحلية والكنز.
(٩) ووردت بعده في الحلية والكنز زيادة يسيرة فلتراجع هناك.
[ ١ / ٣٨٨ ]
مرسلا؟ قال: «نعم، خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه ثم [سواه وكلمه قبلا، ثم [«١» قال: يا أبا ذر! أربعة من الأنبياء سريانيون «٢»: آدم وشيث وخنوخ- وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم- ونوح؛ وأربعة من العرب «٣»: هود وصالح وشعيب ونبيك محمد، وأول الأنبياء آدم وآخرهم محمد ﷺ، وأول نبي من [أنبياء] «١» بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وبينهما ألف نبي»؛ قال: يا رسول الله! كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، [وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف] «٤» وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان»؛ قال: يا رسول الله! فما كانت صحف إبراهيم؟
قال: «كانت أمثالا كلها: أيها الملك [المسلط] «٤» المبتلي المغرور! إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر؛ وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا [على عقله] «٤» أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر «٥» فيها في صنع الله ﷿، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال «٦»؛ فإن هذه الساعة عون لتلك «٧» الساعات «٨» [واستجمام] «٩» للقلوب «١٠»، وعلى العاقل أن يكون
_________________
(١) زيد من الكنز.
(٢) من الحلية والكنز، وفي الأصل: سرانيون.
(٣) زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في الحلية والكنز فحذفناها.
(٤) زيد من الحلية والكنز.
(٥) من الكنز، وفي الأصل: تتفكر، وفي الحلية: يفكر.
(٦) في الحلية والكنز: المطر والمشرب، والعبارة من هنا إلى «للقلوب» ليست فيهما.
(٧) في الأصل: لك- كذا.
(٨) من الجواهر السنية لمحمد العاملي ٢٥، وفي الأصل: الساعة.
(٩) كان هنا في الأصل بياض قدر إصبعين فملأناه من الجواهر.
(١٠) من الجواهر، وفي الأصل: القلوب.
[ ١ / ٣٨٩ ]
«١» بصيرا بزمانه «١»، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه «٢»، فإنه من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه؛ وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث: مرمة لمعاش، وتزود لمعاد، وتلذذ في غير محرم»؛ وقال: يا رسول الله! فما كانت صحف موسى؟
قال: «كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب، وعجبت لمن أيقن بالحساب [غدا] «٣» ثم لا يعمل»، قال: هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: «يا أبا ذر! [تقرأ] «٣» قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى- الآية»، قال: يا رسول الله! أوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه زين لأمرك»، قال: زدني، قال: «عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان [عنك] «٤» وعون لك على أمر دينك، وإياك والضحك فإنه يميت القلوب ويذهب نور الوجه»، قال: زدني، قال: «أحب المساكين ومجالستهم»، قال: زدني، قال: «قل الحق ولو كان مرا»، قال:
زدني، قال: «لا تخف في الله لومة لائم»، قال: زدني، قال: «ليحجزك «٥» عن الناس ما تعلم من نفسك ولا تجد «٦» عليهم فيما تأتي»، ثم قال: «يا «٧» أبا ذر! كفى للمرء غيا «٨» أن يكون فيها خصال: يعرف من الناس ما يجهل من نفسه، ويتجسس «٩» لهم ما هو فيه، ويؤذي جليسه فيما لا يعنيه، يا أبا ذر! لا عقل كالتدبير «١٠»،
_________________
(١) (١- ١) من الحلية والكنز، وفي الأصل: يصير لزمانه.
(٢) من الحلية والكنز، وفي الأصل للسان.
(٣) زيد من الحلية والكنز.
(٤) زيد من الكنز.
(٥) في الأصل: لا يحجزك؛ وفي الكنز: ليردك، وفي الحلية: يردك.
(٦) من الكنز والحلية، وفي الأصل: لا تجر.
(٧) زيد قبله في الأصل: لا، ويمكن أن يكون: ألا.
(٨) في الكنز والحلية: عيبا.
(٩) في الأصل: يتجسسه.
(١٠) من الكنز والحلية، وفي الأصل: كالدبير.
[ ١ / ٣٩٠ ]
ولا ورع كالكف «١»، ولا حسب كحسن الخلق» «٢» .
ثم بعث «٣» علي بن أبي طالب ﵁ سرية إلى اليمن في شهر رمضان، قال: يا رسول الله! كيف أصنع؟ قال: «إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى «٤» يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلوهم حتى «٥» تروهم أناة «٥»، فإذا أتيتهم «٦» فقل لهم «٧»: هل لكم أن تخرجوا من أموالكم صدقة فتردونها على فقرائكم، فإن قالوا: نعم، فلا تبغ منهم غير ذلك؛ ولأن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس» .
ونزلت على رسول الله ﷺ لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجاهِدُونَ «٨» فجاء عبد الله بن أم مكتوم فقال: [يا] «٩» رسول الله ﷺ! إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي ما ترى، قد ذهب بصري، قال زيد بن ثابت:
فثقلت «١٠» فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها «١١»: ثم قال «غير أولي الضرر» .
وقدم العاقب والسيد «١٢» من نجران فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا صالحهم
_________________
(١) من الكنز والحلية، وفي الأصل: كالف.
(٢) من الكنز والحلية، وفي الأصل: خلقه.
(٣) ذكره في المغازي ٣/ ١٠٧٩ بأطول مما هنا، وألم به في إنسان العيون ٣/ ٢٨٦ مختصرا.
(٤) من المغازي، وفي الأصل: كتي- كذا. (٥- ٥) في الأصل: يردهم إياه، والتصحيح بناء على ما في المغازي: ترهم أناة.
(٥) في الأصل: أتيتم.
(٦) ولعل هذا السياق اعتوره هنا بعض خرم وورد بتمامه في المغازي فراجعها.
(٧) سورة ٤ آية ٩٥.
(٨) زيد من مسند الإمام أحمد ٥/ ١٨٤ حيث سبق هذا الحديث بمثل ما هنا، وقد سبق في التفسير من صحيح البخاري معناه.
(٩) من المسند، وفي الأصل فتعلت- كذا.
(١٠) من المسند، وفي الأصل: يرضها- كذا.
(١١) ذكرهما في مسند الإمام أحمد ١/ ٤١٤ حيث سيقت قصة وفد نجران، وأيضا سيقت في المسند ٥/ ٣٩٨، وراجع أيضا هامش إنسان العيون ٣/ ٤.
[ ١ / ٣٩١ ]
عليه- فهو في أيديهم إلى اليوم، وقالا: يا رسول الله! ابعث علينا رجلا أمينا «١» نعطه «٢» ما سألتنا، فقال النبي ﷺ: «لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين»، فاستشرف لها الناس فبعث أبا عبيدة بن الجراح؛ ومات [أبو] «٣» عامر الراهب عند «٤» هرقل، فاختلف كنانة «٤» بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة «٥» في ميراثه، فقضي «٦» برسول الله ﷺ لكنانة بن عبد ياليل.
وقدم الأشعث بن قيس «٧» وافدا إلى رسول الله ﷺ في قومه، فبعث معه رسول الله ﷺ زياد بن لبيد «٨» البياضي إلى البحرين ليأخذ منهم الصدقات.
وبينما رسول الله ﷺ قاعد «٩» مع أصحابه إذ طلع عليهم رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منهم أحد، حتى جلس إلى نبي الله ﷺ فوضع ركبته إلى ركبته ووضع كفه «١٠» على فخذه «١٠»، ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت! فعجب المسلمون منه يسأله ويصدقه؛ ثم قال: أخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره»، قال: صدقت؛ قال: أخبرني عن الإحسان، [قال] «١١»: «أن تعبد الله
_________________
(١) من المسند ١/ ٤١٤، وفي الأصل: أمنا.
(٢) في الأصل: نعطيه.
(٣) زيد من الطبري ٣/ ١٦٣ حيث ذكر موته وما تعقبه. (٤- ٤) وقع في الأصل: هم قل ما اختلف كتابه- مصحفا عما أثبتناه تصحيحا من الطبري.
(٤) من الطبري، وفي الأصل: علاة.
(٥) من الطبري، وفي الأصل: فعصى.
(٦) ذكره في الطبري ٢/ ١٦٢ والسيرة ٣/ ٦٨.
(٧) من الإصابة، وفي الأصل: الوليد.
(٨) في الأصل: قاعدا، وهذا الحديث مشهور قد ورد ذكره في كتب الأحاديث كلها. (١٠- ١٠) في الأصل: إلى ركبته، والتصحيح بناء على مسند الإمام أحمد ١/ ٥١.
(٩) زيد من المسند.
[ ١ / ٣٩٢ ]
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»؛ قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم [بها] «١» من السائل»، قال: فأخبرني عن أمارتها «٢»، قال:
«أن تلد الأمة ربتها «٣» وأن ترى الحفاة «٤» العراة يتطاولون «٥» في البنيان»، قال: ثم انطلق فقال رسول الله ﷺ: «هذا جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم» .
ثم إن النبي ﷺ أراد أن يحج حجة الوداع «٦» فأذن في الناس أنه خارج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ، حتى أتى ذا الحليفة فولدت «٧» أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري «٨» بثوب وأخرى» . ثم صلى رسول الله ﷺ في المسجد وأمر ببدنة أن تشعر وسلت عنها الدم «٩»، ثم ركب القصواء «١٠» فلما استوت به ناقته على البيداء أهلّ، وإن بين يديه وخلفه وعن يمينه ويساره من الناس ما بين راكب وماش «١١»، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، فأهلّ: لبيك! اللهم لبيك! لا شريك لك لبيك! إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك؛ وأهل الناس معه، فمنهم من أهل مفردا ومنهم من أهل قارنا، حتى قدم رسول الله ﷺ مكة من الثنية، فلما دخل مكة توضأ إلى الصلاة ثم دخل من باب بني شيبة، فلما أتى الحجر
_________________
(١) زيد من المسند.
(٢) من المسند ١/ ٥٢، وفي الأصل: أمارتها.
(٣) من المسند، وفي الأصل: ربها.
(٤) من المسند، وفي الأصل: الجفاة.
(٥) من المسند، وفي الأصل: يتكاولون.
(٦) ذكرها في الطبري والسيرة ولكن السياق للمغازي ٣/ ١٣٨٨، وراجع أيضا إنسان العيون ٣/ ٣٥٥، وأغلب السياق لصحيح مسلم- حجة النبي ﷺ من كتاب المناسك.
(٧) من الصحيح، وفي الأصل: ولدت.
(٨) من الصحيح، وفي الأصل: استندي.
(٩) وأيضا راجع سنن البيهقي ٥/ ٣٣٢ والمغازي ٣/ ١٠٩٠.
(١٠) من الصحيح، وفي الأصل: القصوى.
(١١) من الصحيح، وفي الأصل: ماشي.
[ ١ / ٣٩٣ ]
استلمه، ورمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم [فقرأ] «١» وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وجعل المقام بينه وبين البيت وصلى ركعتين، قرأ فيهما قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه؛ ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما رقى على الصفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ وقال: «أبدأ بما بدأ الله»؛ فلما رقى عليها ورأى البيت استقبل القبلة وقال:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده- قال ذلك ثلاث مرات؛ فلما نزل [إلى] «١» المروة حتى «٢» انصبت قدماه في بطن الوادي خب، حتى إذا صعد مشى، فلما أتى المروة صعد عليها وفعل عليها ما فعل على الصفا؛ حتى إذا كان آخر طواف على المروة فقال: لو استقبلت ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة»، فقال سراقة ابن مالك بن جعشم: يا رسول الله! لعامنا هذا أو للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ بين أصابعه وقال: «دخلت العمرة في الحج- مرتين- لا، بل للأبد» .
وقدم عليّ من اليمن فوجد «٣» فاطمة قد لبست ثياب صبغ واكتحلت، فأنكر ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا! ثم قال النبي ﷺ [لعلي] «٤»: «بم فرضت الحج»؟ قال: قلت: اللهم! إني أهل بما أهل به رسولك. فقال رسول الله ﷺ:
«فإن معي الهدي فلا تحل»، فكان الهدي الذي قدم به علي بن أبي طالب من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة، فحل الناس وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه [هدي] «٥» .
واعتل سعد «٦» بن أبي وقاص فدخل عليه رسول الله ﷺ، فبكى سعد فقال له
_________________
(١) زيد من الصحيح.
(٢) من الصحيح، وفي الأصل: فلما.
(٣) من الصحيح، وفي الأصل: فوجدت.
(٤) زيد من الدرر لابن عبد البر ٢٧٨.
(٥) زيد من الصحيح.
(٦) واعتلال سعد قد ألم به البخاري في الصحيح- باب ميراث البنات من كتاب الفرائض، والواقدي في
[ ١ / ٣٩٤ ]
النبي ﷺ: «[ما يبكيك]» «١» . فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة! فقال النبي ﷺ: «اللهم اشف سعدا» - ثلاثا، فقال: يا رسول الله! إن لي مالا كثيرا، وأنعما، ومورثتي بنت لي واحدة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال: فالنصف؟ قال: «لا»، قال: الثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إنك إن صدقت مالك صدقة «٢»، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وما تأكل امرأتك من طعامك صدقة، وأن تدع أهلك بخير [خير] «٣» من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، اللهم! أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم»، لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ [أن مات بمكة] «٤» .
[فلما كان يوم التروية توجهوا] «٥» إلى منى وأهلّ الناس بالحج، فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة له فضربت له بنمرة، ثم سار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش [إلا] «٦» أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فجاز «٧» رسول الله ﷺ حتى جاء عرفة «٨» فوجد القبة [قد ضربت] «٦» له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء «٩» فرحلت له، فلما [أتى] «١٠» بطن الوادي خطب الناس وقال في خطبته: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في
_________________
(١) - المغازي ٣/ ١١١٥، والإمام أحمد في مسنده ١/ ١٦٨.
(٢) زيد لاستقامة العبارة.
(٣) من المسند، وفي الأصل: صدقت.
(٤) زيد من المسند.
(٥) زيد من صحيح البخاري.
(٦) زيد من صحيح مسلم، ويستأنف من هنا سياقه.
(٧) زيد من صحيح مسلم.
(٨) في الأصل: فجاء، وفي الصحيح: فأجاز.
(٩) من الصحيح، وفي الأصل: العرفة.
(١٠) من الصحيح، وفي الأصل: بالقصوى.
(١١) زيد من الصحيح غير أنه هناك «فأتى» .
[ ١ / ٣٩٥ ]
شهركم هذا في بلدكم هذا! ألا! كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة؛ فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف؛ وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون»؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها «١» إلى السماء: «اللهم اشهد» ! ثم أذن وأقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل «٢» بطن القصواء «٢» إلى الصخرة وجعل جبل المشاة «٣» بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا- والمسلمون معه- حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا. ثم أردف أسامة بن زيد خلفه ودفع [رسول الله] «٤» ﷺ وقد «٥» شفق للقصواء «٥» الزمام ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة! كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا «٦» حتى تصعد»، فلما أتى المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء «٧» حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ودعا وكبر وهلل، ثم لم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس «٨» حتى أتى محسر فسلك الطريق الوسطى التي «٩» تخرج إلى
_________________
(١) من صحيح مسلم، وفي الأصل: يرفعهما. (٢- ٢) في الأصل: باطن القصوى، والتصحيح بناء على الصحيح.
(٢) من الصحيح، وفي الأصل: المشا.
(٣) زيد من الصحيح. (٥- ٥) من الصحيح، وفي الأصل: شق للقصوى.
(٤) من الصحيح، وفي الأصل: فقيلا.
(٥) من الصحيح، وفي الأصل: القصوى.
(٦) وفي الصحيح هنا زيادة فراجعه.
(٧) من الصحيح، وفي الأصل: الذي.
[ ١ / ٣٩٦ ]
الجمرة الكبرى، فلما أتى الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، رماها من بطن الوادي بمثل حصى الخذف، ثم انصرف إلى المنحر «١» فنحر ثلاثا «٢» وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر منها وأشركه في هديه، وأمر من كل بدنة ببضعة «٣» فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ القصواء «٤» فأتى البيت فطاف الزيارة، ثم قال: «يا بني عبد المطلب انزعوا، فلولا أن يغلبكم «٥» الناس لنزعت معكم»، فناولوه دلوا من زمزم فشرب منه «٦»؛ ثم رجع ﷺ إلى منى وصلى الظهر بها ثم أقام بها أيام منى، ثم ودع البيت وخرج إلى المدينة حتى دخلها والمسلمون معه فأقام بالمدينة [بقية] «٧» ذي الحجة والمحرم وبعض صفر.