في شدة الحر وجدب «٩» [من] «١٠» البلاد حين طاب الثمار وأحبت «١١» الظلال، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا ورّى «١٢» بغيرها غير غزوة تبوك هذه، فإنه أمر التأهب لها لبعد الشقة وشدة الزمان؛ وحض رسول الله ﷺ أهل
_________________
(١) من المغازي ٣/ ٩٨٢، وفي الأصل: ملك، مع بياض قبله قدر كلمة.
(٢) من المغازي، وفي الأصل: البزج.
(٣) من المغازي، وفي الأصل: رفعوا.
(٤) ذكرت هذه البعثة في المغازي وإنسان العيون ٣/ ٢٨٣.
(٥) من إنسان العيون ٣/ ٢٨٥، وفيه: الفلس- بضم الفاء وسكون اللام: صنم طيء، وفي الأصل: اللقيس.
(٦) راجع أيضا الطبري ٣/ ١٤٨ والمغازي ٣/ ٩٨٤.
(٧) ألم به في الطبري ٣/ ١٥٤ وفي صحيح البخاري- باب الصفوف على الجنازة من كتاب الجنائز.
(٨) وقد ألم بها في الطبري ٣/ ١٤٢، والسيرة ٣/ ٣٦، وإنسان العيون ٣/ ١٨٢، والمغازي ٣/ ٩٨٩ وغيرها.
(٩) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: حرب.
(١٠) زيد من الطبري والسيرة.
(١١) من الطبري، وفي الأصل: احبة- كذا.
(١٢) من المغازي ٣/ ٩٩٠، وفي الأصل: وراء- كذا.
[ ١ / ٣٦٦ ]
الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله ورغبهم في ذلك، وحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا «١»، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم من نفقته، ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاؤن [وهم] «٢» سبعة نفر، فاستحملوا رسول الله ﷺ وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فاعتذروا إلى رسول الله ﷺ بعذرهم وهم بنو غفار، وقد كان نفر من المسلمين أبطأبهم النية عن رسول الله ﷺ حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة مرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية أخو بني «٣» واقف وأبو خيثمة أخو «٣» بني سالم، وكانوا نفر صدق ولا يتهمون في إسلامهم، فخرج رسول الله ﷺ من المدينة وضرب معسكره على ثنية الوداع، وضرب عبد الله بن أبي بن سلول معسكره أسفل منه، وخلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة أخا بني غفار، فقال المنافقون: والله ما خلفه «٤» علينا إلا استثقالا له، فلما سمع ذلك عليّ أخذ سلاحة ثم خرج حتى لحق رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف وقال: يا نبي الله! زعم المنافقون أنك إنما خلقتني استثقالا؟
فقال: «كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك! ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ! فرجع عليّ إلى المدينة ومضى رسول الله ﷺ، وتخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين، فلما نزل رسول الله ﷺ بالحجر استقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ: «لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة،
_________________
(١) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: جلسوا.
(٢) زيد من الطبري والسيرة. (٣- ٣) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: واقد وأبو حشمة أحد- كذا.
(٣) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: اخلف- كذا.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه «١» الإبل ولا تأكلوا منه شيئا» «٢»؛ ثم دعا رسول الله ﷺ؛ فأرسل الله السحاب فأمطر حتى ارتوى «٣» الناس وتوضأوا. ثم إن رسول الله ﷺ نزل في بعض المنازل فضلت ناقته فخرج أصحابه في طلبها، فقال بعض «٤» المنافقين: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسول الله ﷺ: «والله ما أعلم إلا ما علمني الله! وقد علمني أنها في الوادي بين شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها»، قال: «فانطلقوا حتى تأتوا «٥» بها»، فذهبوا فجاءوا بها، ثم سار رسول الله ﷺ فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون:
والله يا رسول الله! تخلف فلان، فيقول: دعوه فإن يكن فيه [خير] «٦» فسيلحقه الله بكم، حتى قيل له: يا رسول الله! تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، فلما أبطأ على أبي ذر بعيره أخذ متاعه على ظهره وترك بعيره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله! رجل على الطريق يمشي وحده! فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا ذر» ! فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هذا والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ: «رحم الله أبا ذر يعيش «٧» وحده، [ويموت وحده، ويبعث وحده] «٦»»؛ فانتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك، فلما أتاها أتاه يحنة ابن رؤبة «٨» صاحب أيلة، وصالح على رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية وأتاه أهل جرباء وأذرح «٩» فأعطوه الجزية، وكتب رسول الله ﷺ لكل كتابا وهو عندهم،
_________________
(١) من الطبري ٣/ ١٤٤ والسيرة ٣/ ٣٨، وفي الأصل- فاعلفوا.
(٢) ووردت بعده في الطبري والسيرة زيادة فراجعهما.
(٣) من الطبري ٣/ ١٤٤ والسيرة ٣/ ٣٩، وفي الأصل: أتو- كذا.
(٤) وهو زيد بن الصيب- كما في الطبري والسيرة.
(٥) في الأصل: أتوا، والتصحيح من الطبري ٣/ ١٤٥.
(٦) زيد من الطبري والسيرة.
(٧) في الطبري والسيرة: يمشي.
(٨) من الطبري ٣/ ١٤٦، وفي الأصل: وبهة- كذا.
(٩) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: أدرج.
[ ١ / ٣٦٨ ]
فكتب ليحنة بن رؤبة «بسم الله الرحمن الرحيم- هذه «١» أمنة من الله ومن محمد النبي ﷺ ليحنة بن رؤبة وأهل بلده وسيارته في البر والبحر، فهم في ذمة الله و[ذمة] «٢» محمد النبي ﷺ ومن كان معهم «٣» من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب «٤» للناس ممن أخذه، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه «٥» ولا طريقا يريدونه «٦» من بر وبحر» وكتب جهيم بن الصلب بأمر رسول الله ﷺ «٧» .
وكتب لأهل جرباء وأذرح «بسم الله الرحمن الرحيم- هذا كتاب من محمد النبي ﷺ لأهل أذرح «٨» أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان، ومن لجأ إليهم من المسلمين «٩»؛ وقد كان [أبو] «١٠» خيثمة أحد بني سالم رجع بعد أن خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل أبو خيثمة [قام] «١١» على باب العريشين ونظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال:
رسول الله ﷺ في الريح والحر وأبو خيثمة في ظلال باردة وطعام مهيأ وامرأة
_________________
(١) من السيرة، وفي الأصل: هذا.
(٢) زيد من الطبري.
(٣) من السيرة، وفي الأصل: معه.
(٤) من السيرة، وفي الأصل: طيبة.
(٥) من السيرة، وفي الأصل: يريدونه.
(٦) في السيرة: يردونه.
(٧) ساقه أيضا في المغازي ٣/ ١٠٣١.
(٨) من المغازي ٣/ ١٠٣٢، وفي الأصل: أدرج.
(٩) وساقه أيضا في المغازي بزيادة يسيرة على ما هنا.
(١٠) زيد من الطبري ٣/ ١٤٤ والسيرة ٣/ ٣٨.
(١١) زيد من السيرة ٣/ ٣٨.
[ ١ / ٣٦٩ ]
حسناء «١» في ماله مقيم! ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ! فهيأتا له زادا، ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ «٢»، فبينا أبو خيثمة يسير إذ لحقه عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله ﷺ، فترافقا «٣» حتى إذا دنوا «٤» من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله ﷺ ففعل عمير، ثم سار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك قال «٥» الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا خيثمة» ! فقالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثمة! فلما أناخ أقبل وسلم على رسول الله ﷺ ثم أخبره الخبر، فقال [له] «٦» رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير «٧»؛ ثم إن رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد وبعثه إلى أكيدر دومة «٨»، وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة، وكان ملكا عليهم وكان نصرانيا فقال رسول الله ﷺ لخالد: «إنك ستجده يصيد بقر الوحش»، فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحك «٩» قرونها بباب «٩» القصر فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد، فنزل أكيدر دومة وأمر بفرسه فأسرج وركب
_________________
(١) زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في الطبري ولا في السيرة فحذفناها.
(٢) زيد في الطبري والسيرة: حتى أدركه حين نزل تبوك.
(٣) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: فتوافقا.
(٤) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: دنو- كذا.
(٥) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: قالوا.
(٦) زيد من الطبري والسيرة.
(٧) وسياق هذه القصة أغلبه للطبري والسيرة، وقد ساقه في المغازي ٣/ ٩٩٨؛ وفي إنسان العيون ٣/ ١٨٧ فراجعهما.
(٨) ساقه في الطبري ٣/ ١٤٦ والسيرة ٣/ ٤٠ والمغازي ٣/ ١٠٢٥ وإنسان العيون ٣/ ٢٨٦. (٩- ٩) في الطبري والسيرة: بقرنها باب.
[ ١ / ٣٧٠ ]
في نفر من أهل بيته ومعه أخوه حسان، فلما خرجوا بمطاردهم «١» تلقّتهم خيل رسول الله ﷺ معهم خالد بن الوليد فقتلوا أخاه حسانا، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوّص بالذهب فاستلبه خالد وبعث به إلى رسول الله ﷺ «٢»، فلما قدم به على رسول الله ﷺ جعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويعجبون «٣» منه، فقال رسول الله ﷺ: «أتعجبون من هذا! والذي نفس محمد بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» «٤»؛ ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله، ورجع إلى قريته.
وافتقد رسول الله ﷺ كعب بن مالك فقال: «ما فعل كعب بن مالك»؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس والله ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا! فسكت رسول الله ﷺ «٥» . وأقام رسول الله ﷺ [بتبوك] «٦» بضع عشرة «٧» ليلة يقصر الصلاة ولم يجاوزها؛ ثم انصرف قافلا إلى المدينة، وكان في الطريق [ماء يخرج من وشل] «٦» ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له: المشقق «٨»، فقال رسول الله ﷺ: «من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى آتيه» «٩»، فلما أتاه رسول الله ﷺ وضع يده فيها «١٠» فجعل ينصب في يده ما شاء الله أن ينصب ثم مجه فيه
_________________
(١) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: بمكاردهم.
(٢) مع عمرو بن أمية الضمري- كما صرح به في المغازي ٣/ ١٠٢٦.
(٣) في جميع المراجع: يتعجبون.
(٤) وقد تعرض له في كتب الأحاديث المتداولة أيضا.
(٥) ألم به في مسند الإمام أحمد ٣/ ٤٥٧ وصحيح البخاري- كتاب المغازي والسيرة ٣/ ٤٤.
(٦) زيد من الطبري ٣/ ١٤٧ والسيرة ٣/ ٤١.
(٧) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: عشر.
(٨) من الطبري والسيرة، وفي الأصل: المنتفق.
(٩) زيد بعده في الطبري والسيرة: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه.
(١٠) وفي الطبري والسيرة مزيد تفصيل فراجعهما.
[ ١ / ٣٧١ ]
ودعا الله بما شاء أن يدعو فانخرق من الماء، فشرب الناس واستقوا حاجتهم [منه] «١»؛ فقال رسول الله ﷺ: «لئن بقيتم- أو بقي منكم- «٢» لتسمعن بهذا «٢» الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه»، وذلك الماء فوارة تبوك اليوم.
ثم إن رسول الله ﷺ نزل بعض المنازل ومات عبد الله ذو البجادين «٣» فحفروا له، ونزل رسول الله ﷺ في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه «٤» إليه «٥» وهو «٥» يقول: «أدليا لي «٦» أخاكما»، فأدلوه «٧» إليه، فلما هيأه [لشقه] «٨» قال رسول الله ﷺ: «اللهم! إني [قد] «٩» أمسيت عنه راضيا فارض عنه»، فقال عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة «١٠» .
وكان المسلمون يقولون: لا جهاد بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ: «لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵇» «١١»، وجعل رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة مساجد في منازله معروفة إلى اليوم، فأولها مسجد تبوك ومسجد بثنية مدران «١٢» ومسجد بذات الزراب «١٣» ومسجد بالأخضر ومسجد بذات
_________________
(١) زيد من الطبري ٣/ ١٤٧ والسيرة ٣/ ١٤٧. (٢- ٢) من السيرة، وفي الأصل: ليسعى في هذا- كذا.
(٢) من السيرة وحلية الأولياء للأصفهاني ١/ ١٢٢، وفي الأصل: النجادين- كذا.
(٣) من السيرة والحلية، وفي الأصل: يدليان. (٥- ٥) من السيرة والحلية، وفي الأصل: فهو. (٦- ٦) في السيرة: أدنيا إلي، وفي الحلية مثل ما في الأصل.
(٤) في الأصل: فادلوا، وفي السيرة: فدلياه، وفي الحلية: فدلوه.
(٥) زيد من الطبري والحلية.
(٦) زيد من السيرة والحلية.
(٧) وراجع أيضا المغازي ٣/ ١٠١٤.
(٨) ذكره في المغازي ٣/ ١٠٥٧.
(٩) من السيرة ٣/ ٤٣ والمغازي ٣/ ٩٩٩؛ وفي الأصل: مردان.
(١٠) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: الدراية- كذا.
[ ١ / ٣٧٢ ]
الخطمى ومسجد بذات البتراء «١» ومسجد بالشق «٢» ومسجد بذي الجيفة «٣» ومسجد بالصدر «٤» ومسجد وادي القرى ومسجد الرقعة ومسجد بذي مروة ومسجد بالفيفاء «٥» ومسجد بذي خشب.
ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فيهم كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع «٦» وهلال بن أمية وغيرهم، فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين «٧» رجلا، فكان رسول الله ﷺ يقبل منهم على نيتهم ويكل «٨» سرائرهم إلى الله حتى جاء كعب بن مالك فسلم عليه، فتبسم رسول الله ﷺ تبسم المغضب ثم قال: «تعال» ! فجاء كعب بن مالك يمشي حتى جلس بين يديه، فقال له النبي ﷺ: «ما خلفك! ألم تكن ابتعت ظهرك»؟ قال: بلى يا رسول الله! والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من «٩» سخطه بعذر «٩» ولقد أعطيت جدلا وإن لي لسانا، ولكن والله! لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضين به عني «١٠»، وليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديثا صادقا تجد عليّ فيه، وإني لأرجو عقبى الله فيه، لا والله ما كان لي عذر! والله ما كنت قط
_________________
(١) من السيرة، وفي الأصل: التبيراء.
(٢) أي شق تاراء- كما صرح به في السيرة والمغازي.
(٣) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: الحليفة.
(٤) أي صدر حوصى أو حوصاء- كما صرح به في السيرة والمغازي.
(٥) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: بالقيقاء.
(٦) من السيرة، وفي الأصل: ربيعة.
(٧) من المغازي ٣/ ١٠٤٩، وفي الأصل: ثمانون، وأغلب السياق هنا للمغازي، وراجع أيضا إنسان العيون ٣/ ٢٠٤ والسيرة ٣/ ٤٤.
(٨) من المغازي والسيرة، وفي الأصل: يتكل. (٩- ٩) من السيرة ٣/ ٤٤ والمغازي ٣/ ١٠٥٠، وفي الأصل: سخطته يعذر.
(٩) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: على.
[ ١ / ٣٧٣ ]
[أقوى و] «١» أيسر مني حين تخلفت عنك! فقال رسول الله ﷺ: «أما هذا فقد صدق «٢»، قم حتى يقضي الله فيك»، فقام وثار معه رجال من بني سلمة واتبعوه وقالوا: ما علمناك [كنت] «١» أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ كما اعتذر إليه المخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ [لك] «٢»، وجعلوا ينوبونه حتى أراد أن يرجع إلى رسول الله ﷺ ويكذب نفسه ثم قال لهم: هل لقي هذا أحد غيري؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت وقال لهما مثل ما قال لك، قال «٣»: ومن هما؟ قالوا مرارة بن الربيع «٤» وهلال بن أمية الواقفي «٥» .
ثم نهى رسول الله ﷺ عن كلام هؤلاء الثلاثة؛ فأما مرارة وهلال فقعدا في بيوتهما، وأما كعب بن مالك فكان أشب القوم وأجلدهم، وكان يخرج ويشهد الصلاة مع المسلمين ويطوف في الأسواق ولا يكلمه أحد، ويأتي رسول الله ﷺ ويسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ويقول في نفسه: هل حرك شفتيه برد السلام [عليّ] «٦» أم لا! ثم يصلي قريبا منه ويسارقه النظر، فإذا أقبل كعب على صلاته نظر إليه رسول الله ﷺ، وإذا التفت نحوه أعرض عنه، حتى طال ذلك عليه من جفوة المسلمين.
ثم مركعب حتى تسور جدار أبي قتادة- وهو ابن عمه وأحب الناس إليه- فسلم عليه، فلم يرد ﵇، فقال له: يا أبا قتادة! أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت فعاد ينشده فسكت فعاد ينشده، فقال: والله ورسوله أعلم،
_________________
(١) زيد من السيرة والمغازي.
(٢) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: صدق.
(٣) في الأصل: قالوا- والقصة في السيرة والمغازي مسوقة بالتكلم فلذا هناك: قلت.
(٤) من السيرة ٣/ ٤٤ والمغازي ٣/ ١٠٥١، وفي الأصل: ربيعة.
(٥) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: الواقعي.
(٦) زيد من السيرة ٣/ ٤٥.
[ ١ / ٣٧٤ ]
ففاضت عينا كعب ووثب فتسور الجدار ثم غدا إلى السوق، فبينا هو يمشي [و] «١» إذا نبطي «٢» من نبط الشام يسأل عنه ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة وهو يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فجعل الناس يشيرون إليه حتى جاء كعبا فدفع إليه كتابا من ملك غسان في سرقة «٣» حرير فيه: أما بعد فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك «٤»، فلما قرأ كعب الكتاب قال: وهذا من البلاء أيضا، قد بلغ بي ما وقعت فيه أن «٥» طمع فيّ رجل من [أهل] «٦» الشرك، ثم عمد بالكتاب إلى تنور فسجره «٧» به، ثم أقام على ذلك حتى [إذا] «٦» مضى أربعون ليلة أتاه رسول رسول الله ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك! فقال كعب: أطلقها أم ماذا؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى مرارة وهلال بمثل ذلك، فقال كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض، و«٨» جاءت امرأة هلال بن أمية فقالت:
يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له، أفتكره أن أخدمه، قال: لا، ولكن لا يقربنك! قالت: والله يا رسول الله ما به من حركة إليّ! والله ما زال يبكي منذ كان أمره ما كان إلى يومه هذا، والله لقد تخوفت على بصره «٩»؛ فلبثوا بعد ذلك عشر ليال حتى كمل خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ المسلمين «١٠» عن كلامهم، فصلى كعب بن مالك الصبح على ظهر بيت من بيوته على الحال التي
_________________
(١) زيد من السيرة ٣/ ٤٥.
(٢) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: نبط.
(٣) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: سرية- كذا.
(٤) من السيرة والمغازي ٣/ ١٠٥٢، وفي الأصل: نواسيك.
(٥) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: حتى.
(٦) زيد من السيرة والمغازي.
(٧) في الأصل: فسجر، ومبني التصحيح على السيرة والمغازي.
(٨) وهنا في المغازي زيادة فراجعها.
(٩) من السيرة والمغازي، وفي الأصل: بصر، وورد بعده زيادة يسيرة في السيرة والمغازي.
(١٠) من السيرة والمغازي ٣/ ١٠٥٣، وفي الأصل: المسلمون.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ذكر الله منه: ضاقت عليه الأرض برحبها وضاقت «١» عليه نفسه «١»، إذ سمع صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشر، فخر كعب لله ساجدا وعرف أنه قد جاء الفرج، وأخبر رسول الله ﷺ بتوبة الله عليهم «٢» حين صلى الصبح، ثم جاء كعبا «٣» الصارخ بالبشرى فنزع ثوبيه فكساهما إياه ببشارته، واستعار ثوبين فلبسهما، ثم انطلق يؤم رسول الله ﷺ، وتلقاه الناس يتهنأونه بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك! حتى دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليه طلحة بن عبيد الله فحياه وهنأه، فلما سلم «٤» كعب على رسول الله ﷺ قال له رسول الله ﷺ ووجهه يبرق بالسرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» ! فقال كعب: أمن عندك يا رسول الله أم [من] «٥» عند الله؟ قال «بل من عند الله» ! ثم جلس بين يديه فقال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»، فقال: إني ممسك سهمي الذي بخيبر، ثم قال: يا رسول الله! [إن الله] «٥» قد نجاني بالصدق، فإن توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فتلا عليهم رسول الله ﷺ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ- إلى قوله:
إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٦» .
ثم لا عن رسول الله ﷺ بين عويمر بن الحارث بن عجلان- وهو الذي يقال له عاصم «٧» - وبين امرأته بعد العصر في مسجد في شعبان، وذلك أنه أتى رسول
_________________
(١) (١- ١) في الأصل: عليهم أنفسهم، ومبني التصحيح على السيرة والمغازي.
(٢) في الأصل: عنهم، ومبني التصحيح على السيرة والمغازي.
(٣) في الأصل: كعب، ومبني التصحيح على السيرة.
(٤) في الأصل: سمع، ومبني التصحيح على السيرة والمغازي ٣/ ١٠٥٤.
(٥) زيد من السيرة والمغازي.
(٦) سورة ٩ آية ١١٧ و١١٨، وتوبة كعب هذه قد ألم بها في صحيح البخاري- المغازي، وصحيح مسلم- التوبة، ومسند الإمام أحمد ٣/ ٤٥٦، وتفسير الطبري سورة ٩ آية ١١٨.
(٧) وقال ابن حجر في فتح الباري- باب اللعان ومن طلق بعد اللعان: وقع في السيرة لابن حبان في
[ ١ / ٣٧٦ ]
الله ﷺ فقال: يا رسول الله! لو أحدنا رأى امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم! وإن سكت [سكت] «١» على مثل ذلك! فلم يجبه رسول الله ﷺ، فلما كان بعد ذلك أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به! فأنزل الله هذه الآيات وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ «٢» - حتى ختم الآيات، فدعا رسول الله ﷺ عاصما فتلا عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال عاصم: لا والذي بعثك! ما كذبت عليها، ثم دعا بامرأته فوعظها وذكرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق! فبدأ بعاصم فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وأمر رسول الله ﷺ فوضع «٣» يده على فيه عند الخامسة وقال: احذر فإنها موجبة! ثم ثنى «٤» بامرأته فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين؛ ثم فرق بينهما وألحق الولد بالأم «٥» .
وماتت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في شعبان، وغسلتها صفية بنت عبد المطلب، ونزل في حفرتها عليّ والفضل وأسامة «٦» .
وورد على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير في رمضان مقرين بالإسلام، فكتب إليهم رسول الله ﷺ كتاب جوابهم وبعثه مع عمرو بن حزم «بسم الله
_________________
(١) حوادث سنة تسع: ثم لا عن بين عويمر بن الحارث العجلاني وهو الذي يقال له عاصم وبين امرأته بعد العصر في المسجد وقد أنكر بعض شيوخنا قوله: وهو الذي يقال له عاصم، والذي يظهر لي أنه تحريف وكأنه كان في الأصل: الذي سأل له عاصم- والله أعلم.
(٢) زيد من مسند الإمام أحمد ٢/ ١٩.
(٣) سورة ٢٤ آية ٦ وما بعدها.
(٤) في الأصل: فوضعه- كذا.
(٥) من المسند، وفي الأصل: فتا- كذا.
(٦) وراجع أيضا باب اللعان من الصحيحين وتفسير الطبري حول آية ٩ من سورة النور.
(٧) وراجع لمزيد التفصيل تاريخ الطبري ٣/ ١٥٥ وسمط النجوم ١/ ٤٢٣ و٤٢٤.
[ ١ / ٣٧٧ ]
الرحمن الرحيم- من محمد رسول اللهﷺ- إلى شرحبيل «١» بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيل [ذي] «٢» رعين ومعافر [وهمدان] «٢»، أما بعد، فقد رفع «٣» رسولكم، وأعطيتم من المغانم خمس الله وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، و«٤» ما سقت السماء إذا كان سيحا أو بعلا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، [وما سقى بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق] «٥» . وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع «٦» وعشرين ففيها ابنة مخاض فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين، فإن زادت واحدة على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإن زادت واحدة على خمس «٧» وأربعين ففيها حقة طروقة الجمل إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على الستين واحدة ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسا «٨» وسبعين، فإن زادت واحدة «٩» على خمس «١» وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت [واحدة] «١٠» على التسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة؛ فما زاد [على عشرين
_________________
(١) من السنن الكبرى للبيهقي- باب كيف فرض الصدقة من كتاب الزكاة، وفي الطبري ٣/ ١٥٣ والسيرة ٣/ ٦٩: نعيم، ورواية البيهقي هي نفس الرواية التي ساقها ابن حبان، وأوردها النسائي في سننه باختصار- راجع ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول من كتاب القسامة وراجع أيضا كتاب الأموال لأبي عبيد ٣٥٨- ٣٦٠.
(٢) زيد من الطبري والسيرة والسنن.
(٣) من السنن، وفي الأصل: رجع.
(٤) سقط من السنن.
(٥) زيد ما بين الحاجزين من السنن.
(٦) من السنن، وفي الأصل: أربعة.
(٧) من السنن، وفي الأصل: خمسة.
(٨) من السنن، وفي الأصل: خمسة.
(٩) تأخر في الأصل عن «خمس وسبعين» والترتيب من السنن.
(١٠) زيد من السنن.
[ ١ / ٣٧٨ ]
ومائة] «١» ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة [الجمل] «١» وفي كل ثلاثين باقورة «٢» [تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة] «١» بقرة. وفي كل أربعين شاة سائمة [شاة] «١» إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإن زادت واحدة فثلاث «٣» إلى أن تبلغ ثلاثمائة «٤»، فإن زادت ففي كل مائة شاة شاة. ولا تؤخذ في الصدقة بهرمة ولا عجفاء «٥» ولا ذات عوار ولا تيس الغنم. ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وفي كل خمس «٦» أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس «٦» أواق شيء. وفي كل أربعين دينارا دينار. و«٧» إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة يزكى بها أنفعهم، «٨» في فقراء «٨» المؤمنين وفي سبيل الله. وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها «٩» من العشر، وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء. وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم. وإن العمرة هي الحج الأصغر. ولا يمس القرآن إلا طاهر. ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتاق «١٠» حتى يبتاع. ولا يصلين أحد منكم في
_________________
(١) زيد من السنن.
(٢) من السنن، وفي الأصل: ما فورة.
(٣) في الأصل: فثلاثة، وفي السنن: ففيها ثلاث.
(٤) من السنن، وفي الأصل: أربعمائة.
(٥) من السنن، وفي الأصل: عجف.
(٦) من السنن، وفي الأصل خمسة.
(٧) من السنن، وفي الأصل: أو. (٨- ٨) في السنن: والفقراء.
(٨) من السنن، وفي الأصل: صدقها.
(٩) من السنن، وفي الأصل: عتق.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ثوب واحد ليس على منكبيه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد [ليس بين فرجه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد] «١» وشقه باد، ولا يصلين أحد منكم عاقصا شعره. وإن من اعتبط «٢» مؤمنا قتلا عن بينة فهو قود إلا أن يرضى «٣» أولياء المقتول. وإن في النفس «٤» الدية مائة من الإبل، [و] «١» في الأنف إذا أوعب جدعه «٥» الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين «٦» الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، و[في] «٧» الرجل الواحدة نصف الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية «٨»، وفي المنقلة خمس «٩» عشرة من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل. وإن الرجل يقتل بالمرأة. وعلى أهل الذهب ألف دينار» فقرئ الكتاب على أهل اليمن.
ثم بعث «١٠» رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن وذكر أنه ﷺ صلى الغداة ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار! أيّكم ينتدب إلى اليمن؟ فقام عمر بن الخطاب فقال: أنا يا رسول الله! فسكت عنه ثم قال: «يا معشر المهاجرين والأنصار» ! أيّكم ينتدب إلى اليمن»؟ فقام معاذ بن جبل فقال: أنا يا رسول الله! فقال: «يا معاذ أنت لها! يا بلال ائتني بعمامتي» ! فأتاه بعمامته فعمم
_________________
(١) زيد من السنن.
(٢) من السنن، وفي الأصل: اغتبط، والاعتباط: القتل ظلما بدون قصاص.
(٣) من السنن، وفي الأصل: يوصي.
(٤) من السنن، وفي الأصل: نفس.
(٥) من السنن، وفي الأصل: جدعة.
(٦) من هامش السنن الكبرى وسنن النسائي- ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول من كتاب القسامة، وفي الأصل: السنتين.
(٧) زيد من سنن البيهقي وسنن النسائي.
(٨) وهنا تقديم وتأخير بالنسبة إلى سنن البيهقي وسنن النسائي.
(٩) من سنن البيهقي وسنن النسائي، وفي الأصل: الخمس.
(١٠) ذكره في السيرة ٣/ ٧٠ في غاية من الاختصار.
[ ١ / ٣٨٠ ]
بها رأسه، ثم خرج رسول الله ﷺ والمهاجرون «١» والأنصار يشيعون معاذا وهو راكب ورسول الله ﷺ يمشي إلى جانب راحلته «٢»، ثم قال: «يا معاذ! أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة وترك الخيانة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخفض الجناح، وحفظ الجار، ولين الكلام ورد السلام، والتفقه في القرآن، والجزع من الحساب، وحب الآخرة على الدنيا؛ يا معاذ! لا تفسد أرضا، ولا تشتم مسلما، ولا تصدق كاذبا ولا تكذب صادقا، ولا تعص إماما، وإنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات «٣» في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم أن [الله تعالى قد] «٤» فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس «٥»؛ يا معاذ «٦» ! إني أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لها؛ يا معاذ! إذا أحدثت ذنبا فأحدث له توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية؛ يا معاذ! يسر ولا تعسر، واذكر الله عند [كل] «٧» حجر ومدر «٨» يشهد لك يوم القيامة؛ يا معاذ! عد المريض، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء، وجالس المساكين والفقراء، وأنصف الناس من نفسك، وقل الحق حيث كان، ولا يأخذك في الله لومة لائم، والقني على الحال التي فارقتني عليها» . فقال معاذ: بأبي وأمي أنت يا رسول الله! لقد حملتني أمرا
_________________
(١) وقع في الأصل: المهاجرين- خطأ.
(٢) ذكر هذا التفصيل في منتخب كنز العمال- راجع مسند الإمام أحمد ٤/ ١٩١- ١٩٣ وفي حلية الأولياء للأصفهاني ١/ ٢٤٠ و٢٤١ بسياق قريب مما هنا مع تقديم وتأخير، وراجع أيضا هامش إنسان العيون ٢/ ٤٤٦.
(٣) من صحيح البخاري- باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس من كتاب الزكاة، وفي الأصل: صلوة.
(٤) زيد من الصحيح.
(٥) والقصة من «وإنك تقدم» إلى هنا مسوقة في صحيح البخاري كما هنا.
(٦) والسياق من هنا لمنتخب كنز العمال.
(٧) زيد من المنتخب.
(٨) في المنتخب: شجر.
[ ١ / ٣٨١ ]
عظيما فادع الله لي على ما قلدتني عليه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم ودعه؛ وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وأصحابه. ثم أردفه بأبي موسى الأشعري، فلما قدم صنعاء صعد منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم عهده ثم نزل، فأتاه صناديد صنعاء فقالوا: يا معاذ! هذا نزل قد هيأناه لك وهذا منزل فرغناه «١» لك، قال: بهذا أوصاني حبيبي، أوصاني رسول الله ﷺ «٢» أن لا تأخذك «٣» في الله لومة لائم، وخلع رسول الله ﷺ «٤» معاذ بن جبل «٤» [من] «٥» ماله لغرمائه حيث اشتدوا عليه وبعثه إلى اليمن وقال: «لعل الله يجبرك» «٦» !.
وقدم وفد كلاب على رسول الله ﷺ ثلاثة عشر «٧» نفرا فيهم لبيد بن ربيعة.
ثم بعث رسول الله ﷺ سرية مع جماعة من العرب ليس فيهم من المهاجرين أحد ولا من الأنصار إلى بني تميم «٨» . فأغار عليهم وسبى منهم النساء والولدان، وأخذ منهم عشرين رجلا فقدم بهم المدينة، فوضع رسول الله ﷺ لحسان منبرا فقام عليه، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله يؤيد حسانا بروح القدس»، فقال القوم:
شاعرهم أشعر من شاعرنا وخطيبهم أخطب من خطيبنا «٩» .
_________________
(١) في الأصل: فدعناه- كذا.
(٢) والعبارة من هنا إلى «ﷺ» قد تكررت في الأصل.
(٣) في الأصل: لا تأخذ- كذا. (٤- ٤) في الأصل: كعب بن مالك، والتصحيح من الطبقات- القسم الثاني من الجزء الثالث ١٢٣ حيث سيق هذا الأمر وقد سيقت القصة في الحلية ١/ ٢٣١ عن طريق كعب بن مالك أيضا.
(٤) زيد من الطبقات.
(٥) من الطبقات، وفي الأصل: يحرك- كذا.
(٦) في الأصل: ثلاثة عشرة، والتصحيح من ترجمته في الإصابة، وقد ذكرت وفادته مع قومه في الاستيعاب أيضا- راجع ترجمته فيه.
(٧) من إنسان العيون ٣/ ٢٧٨، وفي الأصل: نعيم، وذكرت هذه القصة أيضا في السيرة بعضها في قدوم وفد بني تميم وبعضها في غزوة عيينة بن حصن، وقد صرح في إنسان العيون أن الوفد جاءوا في إثر المحبوسين.
(٨) وقد ألم بهذه المفاخرة في الطبري ٣/ ١٥٠- ١٥٢ والسيرة ٣/ ٥٨- ٦٠.
[ ١ / ٣٨٢ ]
وقدم وفد الطائف «١» ونزلوا دار المغيرة بن شعبة وطلبوا الصلح، فأمر النبي ﷺ خالد بن سعيد بن العاص أن يكتب لهم كتاب الصلح.
ومرض «٢» عبد الله بن أبي بن سلول في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان النبي ﷺ يعوده، فلما مات جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه رسول الله ﷺ قميصه، وأتى قبره فصلى عليه فنزلت الآية وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ «٣» .
وقدم وفد بني فزارة «٤» وهم بضعة [عشر] «٥» رجلا فيهم خارجة بن حصن «٦» .
وقدم وفد بني عذرة «٧» ثلاثة عشر رجلا، ونزلوا على المقداد بن عمرو.
وفرض الله تعالى الحج على من استطاع إليه سبيلا، فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر يحج بالناس من المدينة في ثلاثمائة نفس، وبعث معه عشرين بدنة مفتولة قلائدها، ففتلها عائشة بيدها وقلدها وأشعرها، وساق أبو بكر لنفسه خمس بدنات، وحج معه عبد الرحمن بن عوف، فلما بلغ العرج وثوب «٨» بالصبح سمع أبو بكر خلفه رغوة وأراد أن يكبر الصلاة فوقف عن التكبير وقال: هذه رغوة ناقة رسول
_________________
(١) وقد ذكرت قصتهم في إنسان العيون ٢/ ٢٩٩ وفي السيرة النبوية بهامش الإنسان ٣/ ٨ بأطول مما هنا، ووفد الطائف نفس وفد الثقيف، وراجع أيضا السيرة لابن هشام ٣/ ٤٦.
(٢) ذكره في الطبري ٣/ ١٥٣ مختصرا، وراجع للتفصيل جامع البيان للطبري تفسير آية ٨٤ من التوبة.
(٣) سورة ٩ آية ٨٤.
(٤) ذكره في الطبري ٣/ ١٥٤ بمثل ما هنا، واستوعبه في إنسان العيون ٣/ ٣٢٢.
(٥) زيد من الطبري.
(٦) من الطبري وإنسان العيون، وفي الأصل: خضن.
(٧) من إنسان العيون ٣/ ٣٢٦، وفي الأصل: بني غزوة، وذكره في الطبري ٣/ ١٥٤ وسماه: وفد بهراء، وكلاهما واحد- راجع من جمهرة الأنساب بني بهراء وبني عذرة.
(٨) من سنن النسائي- باب الخطبة قبل يوم التروية من المناسك، وفي الأصل: تب، وراجع أيضا الطبري ٣/ ١٥٤.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الله ﷺ الجدعاء، لقد بدا لرسول الله ﷺ في الحج، فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلي «١» معه! فإذا عليّ عليها فقال أبو بكر: أمير أم رسول؟ فقال: [لا] «٢»، بل رسول الله ﷺ أرسلني ببراءة أقرأها على الناس في مواقف الحج، فقدموا مكة فقرأ على الناس سورة براءة حتى ختمها، فلما كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس وعرفهم مناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ فقرأها على الناس حتى ختمها، فلما كان يوم النحر خطب أبو بكر الناس وحدثهم «٣» عن إفاضتهم ونحرهم ومناسكهم، فلما فرغ قام عليّ فقرأ على الناس براءة حتى ختمها «٤» لينبذ «٥» إلى كل ذي حق حقه [وذي] «٦» عهد عهده و[أن] «٧» لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان؛ فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر وخطب الناس وحدثهم كيف ينفرون [و] «٨» كيف يرمون فعلمهم «٩» مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم رجعوا إلى المدينة «١٠» .