«١» خرج «٢» رسول الله ﷺ ومعه ألف وثمانمائة «٣» رجل وسبعون بدنة، فأحرم رسول الله ﷺ ومن معه من ذي الحليفة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وساق أبو بكر بدنا وطلحة بدنا وسعد بن عبادة بدنا، فلما بلغ رسول الله ﷺ غدير عسفان [ذات] «٤» الأشطاط لقيه بسر «٥» بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله! هذه قريش سمعت بك وخرجت قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها «٦» عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها «٧» إلى كراع الغميم، فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب! فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وآووني، والله لا أزال أجاهد على الذين بعثني الله عليه حتى يظهرني الله» ! ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين «٨» ظهري الحمض «٨» «٩» على طريق يخرجه «٩»
_________________
(١) وفي الطبري «قال أبو جعفر: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة شهر رمضان وشوالا، وخرج في ذي القعدة من سنة ٦ معتمرا» .
(٢) وفي الطبري «عن ابن إسحاق قال: خرج النبي ﷺ معتمرا في ذي القعدة لا يريد حربا وقد استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب أن يخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا به أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من المهاجرين والأنصار » .
(٣) وفي الطبري «وكان الناس سبعمائة رجل وعن إياس بن سلمة عن أبيه قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية ونحن أربع عشرة مائة» .
(٤) من المغازي ٢/ ٥٨٠، ولفظه «فلقيه بغدير ذات الأشطاط من عسفان» .
(٥) من المغازي، وفي الأصل «بشر» .
(٦) في الأصل «لا يدخلها» والتصحيح من الطبري ولفظه «فقال له: يا رسول الله! هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. قال أبو جعفر: وقد كان بعضهم يقول: إن خالد بن الوليد كان يومئذ مع رسول الله ﷺ مسلما» .
(٧) من الطبري، وفي الأصل «قدموه» . (٨- ٨) من الطبري، وفي ف «ظهر الحيض» خطأ. (٩- ٩) كذا، وفي الطبري «في طريق تخرجه» .
[ ١ / ٢٨٠ ]
على ثنية المرار مهبط الحديبية «١»، فلما بلغ ﷺ ثنية المرار بركت ناقته، فقالوا:
خلأت «٢» القصواء! فقال: «ما خلأت القصواء وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله! لا يدعوني «٣» قريش اليوم [إلى] خطة يسألوني فيها صلة الرحم «٤» إلا أعطيتهم «٤» إياها» ! ثم قال للناس: «انزلوا»، فقالوا: يا رسول الله! ما بالوادي ما ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله ﷺ سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش «٥» بالرواء «٦» حتى ضرب الناس «٧» بعطن، فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فقال رسول الله ﷺ كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرا لهذا البيت، فقالوا: وإن جاء لذلك فلا والله لا يدخلها علينا عنوة ولا تتحدث بذلك العرب! ثم بعثوا مكرز بن حفص بن الأحنف أحد بني عامر ابن لؤي، فلما «٨» رآه النبي ﷺ قال: «هذا رجل غادر»، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه رسول الله ﷺ لنحو ما كلم به أصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم بذلك، فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش «٩»، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه، فلما رأى الهدي
_________________
(١) في الطبري «على مهبط الحديبية من أسفل مكة» .
(٢) من الطبري، وفي ف «خلاة» .
(٣) وفي الطبري «لا تدعوني» . (٤- ٤) من الطبري، وفي الأصل «لأعطيتهم» .
(٤) زيد في الطبري «الماء» .
(٥) في الطبري «بالري» .
(٦) زيد في الطبري «عليه» .
(٧) في الأصل «فقلما» كذا.
(٨) الأحابيش: أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا. والتحبس: التجمع، وقيل: حالفوا قريشا تحت جبل بأسفل مكة يسمى حبشا فسموا به- راجع مجمع بحار الأنوار.
[ ١ / ٢٨١ ]
يسير عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل «١» أوباره «٢» من طول الحبس رجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش! قد رأيت ما لا يحل صد «٣» الهدي في قلائده «٤» قد أكل أوباره «٥» من طول الحبس عن محله «٦»، فقالوا: اجلس، لا «٧» علم لك، وبعث «٨» رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما دخل مكة أراد قريش قتله فمنعه الأحابيش، حتى أتى رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ليبعث إلى مكة، فقال: يا رسول الله! إني أخاف قريشا على نفسي وليس لي بها من [بني] «٩» عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي «١٠» عليها ولكن «١١» أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان، فدعاه رسول الله ﷺ وبعثه إلى قريش ليخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما [لحرمته] «١٢»، فخرج عثمان بن عفان حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ، وانطلق حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف
_________________
(١) من الطبري، وفي ف «أوكلت» كذا.
(٢) من الطبري، وفي ف «أوبارها» .
(٣) من الطبري ٣/ ٧٥، وفي الأصل «مرة» كذا.
(٤) من الطبري، وفي ف «قلائدها» .
(٥) من الطبري، وفي ف «أكلت أو بارها» .
(٦) من الطبري، وفي الأصل، «محلها» .
(٧) في الأصل «ألا» خطأ، وفي الطبري «قالوا له: اجلس، فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك» .
(٨) وفي الطبري «عن محمد بن إسحاق قال حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش مكة وحمله على جمل له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ» .
(٩) زيد من الطبري، وقد سقط من ف.
(١٠) من الطبري، وفي ف «غلظى» .
(١١) كذا في ف، وفي الطبري «ولكني» .
(١٢) زيد من الطبري.
[ ١ / ٢٨٢ ]
[به] «١»، فقال عثمان: ما كنت لأفعل «٢» حتى يطوف به رسول الله ﷺ، ثم «٣» رجع عثمان.
وبعث قريش سهيل بن عمرو أحد «٤» بني عامر بن لؤي وقالوا: ائت محمدا وصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه «٥» هذا، فو الله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا! فأتى سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي ﷺ قال:
«قد أراد القوم الصلح حتى بعثوا هذا الرجل»، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلم فأطال الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر «٦» فقال: يا رسول الله «٧» ! ألست برسول الله؟ أو لسنا بالمسلمين؟ أو ليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى»، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا «٨»؟ قال: «أنا عبد
_________________
(١) زيد من الطبري.
(٢) من الطبري، وفي ف «ما كنت أفعل» .
(٣) زيد في الطبري ٤/ ١٥٤٣ «فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل إن رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قتل قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم» ! ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. عن إياس بن سلمة قال: قال سلمة بن الأكوع: بينما نحن قافلون من الحديبية نادى منادي النبي ﷺ: أيها الناس! البيعة البيعة! نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عن عامر قال: كان أول من بايع بيعة الرضوان رجلا من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب» .
(٤) في ف «واحد» .
(٥) في ف «عامة» كذا.
(٦) بهامش ف «اعتراض عمر على صلح الحديبية» .
(٧) وفي الطبري «وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر! الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله! قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله! قال: ثم أتى رسول الله ﷺ فقال » .
(٨) زيد في ف «عبد الله» مكررا.
[ ١ / ٢٨٣ ]
الله «١» ورسوله»، ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب «٢» فقال: «اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب «باسمك اللهم» وقال رسول الله ﷺ: «اكتب باسمك اللهم! هذا ما صالح «٣» عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو» فقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن أكتب «محمد بن عبد الله» اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله ﷺ «اكتب محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو»، فكتب «٤»: محمد بن عبد الله «هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين «٥»، يأمن بهذا الناس ويكف بعضهم عن بعض، على [أنه] من أتى رسول الله ﷺ من أصحابهم بغير [إذن] «٦» وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه «٧»، وأنه لا أسلال ولا أغلال» «٨» فلما فرغ من الكتاب
_________________
(١) زيد في ف «عبد الله» مكررا.
(٢) وفي الطبري «عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ثم دعاني رسول الله ﷺ فقال: «اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*» .
(٣) من الطبري، وفي ف «صلح» .
(٤) في ف «كتب» .
(٥) وفي الطبري «اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين» .
(٦) زيد من الطبري.
(٧) وفي الطبري «لم ترده عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة» .
(٨) زيد في الطبري «وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا، وأن معك سلاح الراكب السيوف في القرب، لا تدخلها بغير هذا؛ فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ، قال: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله ﷺ في نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بلببه فقال: يا محمد! قد لجت القضية
[ ١ / ٢٨٤ ]
- «١» وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل «١» - قام رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس! انحروا واحلقوا»، فما قام رجل من المسلمين، فدخل رسول الله ﷺ على أم سلمة فقال: «يا أم سلمة! ما شأن الناس؟» قال له: يا رسول الله! قد أحل بهم ما رأيت كأنهم كرهوا الصلح، فاعمد «٢» إلى هديك حيث كان وانحر واحلق، فإنك لو فعلت ذلك فعلوا، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم «٣» أحدا حتى أتى هديه فنحرها ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون، فحلق رجال منهم وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ:
«يرحم الله المحلقين» ! قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: «والمقصرين» ! قالوا «٤»: ما بال المحلقين «٥» يا رسول الله ذكرت لهم الترحم؟ قال: «لأنهم لم يشكوا أمر رسول الله ﷺ البيعة على الناس تحت الشجرة هناك أن لا يفروا»، فبايعه الناس كلهم غير الجد «٦» بن قيس، اختبأ تحت إبط بعيره، فذلك قول الله عز
_________________
(١) بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، قال: فجعل ينتره بلببه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أرد إلى المشركين! يفتنوني في ديني، فزاد الناس ذلك شرا إلى ما بهم، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل! احتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهدا، وإنا لا نغدر بهم»، قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه. فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين» . (١- ١) ليست في الطبري ولا في المغازي، وأما «كان يصلي في الحرم» فمعناه: كان يصلي في الإحرام، كما في حديث آخر «أطيبه ﷺ لحله وحرمه» راجع مجمع بحار الأنوار.
(٢) وقع في الأصل «فاعمر (وبعلامة النسخة: فاغد) إلى هذيل حيث كان وانحر» كذا مصحفا، وفي المغازي ٢/ ٦١٣ «انطق أنت إلى هديك فانحره» .
(٣) وفي الطبري «فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك» .
(٤) من الطبري، وفي الأصل «قال» كذا.
(٥) وفي الطبري «فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين» .
(٦) له ترجمة في الإصابة ١/ ٢٣٨ وفيه «جد بن قيس بن صخر الأنصاري أبو عبد الله » .
[ ١ / ٢٨٥ ]
وجل إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ «١» وقال ﷺ: «لن يدخل «٢» النار أحد «٣» شهد بدرا والحديبية» .
ثم انصرف رسول الله ﷺ حتى إذ كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت عليه سورة الفتح إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا- إلى آخر السورة «٤»، فما فتح في الإسلام فتح «٥» أعظم من نزول هذه السورة.
ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة وكانت الهدنة «٦» وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا واستفاضوا «٧»، ولا يكلم أحد بالإسلام يعقل عنه»
إلا دخل فيه، حتى دخل فيه في تلك السنة «٩» من المسلمين قريبا مما كان قبل
_________________
(١) سورة ٤٨ آية ١٨.
(٢) في الأصل: لم يدخلن- كذا، والتصحيح من الجامع الصغير.
(٣) في الجامع الصغير: رجل.
(٤) سورة ٤٨ آية ١- ٢٩.
(٥) زيد في الطبري: قبله كان.
(٦) في الأصل: أهل المدينة، والتصحيح من الطبري ولفظه «فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها» .
(٧) وفي الطبري «فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة» .
(٨) في الطبري «شيئا» .
(٩) وفي الطبري «فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة جاءه أبو بصير رجل من قريش، قال ابن إسحاق في حديثه: أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة، فلما قدم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله ﷺ وبعثا رجلا من بني عامر ابن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله ﷺ بكتاب الأزهر والأخنس، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بصير! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا»، قال: فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم، قال: انظر إليه؟ قال: إن شئت، فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله طالعا قال: «إن هذا رجل قد رأى فزعا»، فلما انتهى
[ ١ / ٢٨٦ ]
ذلك. وفي هذه العمرة أصاب كعب بن عجرة «١» أذى في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق ويذبح شاة ويصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكين مدين. وأهدى «٢» الصعب بن جثامة «٢» إلى رسول الله ﷺ رجل حمار وحش «٣» فرده وقال: «لم نرده ولكنا حرم» .
وفي هذه العمرة صلى بهم رسول الله ﷺ الصبح في إثر «٤» سماء في الحديبية، فلما انصرف أقبل عليهم بوجهه فقال: أتدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال:
مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» «٥» .
_________________
(١) إلى رسول الله قال: «ويلك! ما لك»؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي، فو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على رسول الله ﷺ، فيال: يا رسول الله! وفت ذمتك وأدى عنك، أسلمتني ورددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ: «ويل أمه» ! فسعر حرب لو كان معه رجال، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، قال: فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قريش الذي كانوا يأخذون إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله ﷺ لأبي بصير: «ويل أمه» ! محش حرب لو كان معه رجال! فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص، وينفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم، فكانوا قد ضيقوا على قريش، فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ يناشدونه بالله وبالرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله ﷺ فقدموا عليه المدينة» .
(٢) من الإصابة ٥/ ٣٠٤: وفي الأصل «عجزة» خطأ. (٢- ٢) من المغازي ٢/ ٥٧٦، وفي الأصل «الصعب حامه» كذا. وفي المغازي «عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه حدثه أنه جاء رسول الله ﷺ بالأبواء يومئذ بحمار وحشي فأهداه له فرده رسول الله ﷺ، قال الصعب: فلما رآني وما بوجهي من كراهية رد هديتي قال رسول الله ﷺ: «إنا لم نرده إلا أنا حرم» . (٣- ٣) وفي المغازي «بحمار وحشي» .
(٣) من هامش الأصل والمغازي، وفي متن الأصل: أثرهما.
(٤) راجع المغازي ٢/ ٥٨٨ وفيه الرواية عن زيد بن خالد الجهني.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وفي هذه العمرة أصاب الناس عطش شديد فحبسوا، فوضع رسول الله ﷺ يده في الركوة، فثار الماء مثل العيون، فتوضئوا منها ورووا.