خرج رسول الله ﷺ في بقية المحرم «١» إلى خيبر، واستعمل «٢» على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وقدم عينا له ليجيئه بالخبر، وأخرج من نسائه أم سلمة، وخرج على الأموال بجيشه «٣» فلا يمر بمال إلا أخذه ويقتل من فيه و[يفتتحها] «٤» حصنا حصنا، فأول ما أصاب منها حصن ناعم «٥» ثم حصن الصعب بن معاذ «٦» ثم حصن القموص «٧» فلما [افتتح] «٨» رسول الله ﷺ «٩» أتى حصنهم الوطيح والسلالم «٩» وكان رسول الله ﷺ إذا «١٠» أصبح قوما أو غزا «١٠» لم يغر عليهم «١١» حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار، فلما أصبح رسول الله ﷺ استقبلهم عمال خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا النبي ﷺ
_________________
(١) من سنة سبع، كما صرح به الطبري.
(٢) في الطبري «استخلف» .
(٣) في ف «بحبسه» كذا.
(٤) زيد من الطبري، وفي ف «باما» كذا.
(٥) وفي الطبري «فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته.
(٦) في ف «معاد» وزاد في الطبري «وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وردكا منه» .
(٧) في ف: الغموص- كذا، وفي الطبري: ثم القموص حصن ابن أبي الحقيق وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا منهم صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وابنتي عم لها- إلخ.
(٨) زيد من الطبري. (٩- ٩) زيد في ف «و» وزيد في الطبري: لا من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز انتهوا إلى حصنهم الوطيح والسلالم وكان آخر حصون خيبر افتتح حاصرهم رسول الله بضع عشرة ليلة» . (١٠- ١٠) كذا في ف، وفي صحيح البخاري ٢/ ٦٠٣ «أتى قوما بليل» .
(٩) وفي متن الصحيح «لم يقر بهم» وبهامشه «لم يغربهم» وفي ف «إذا سالم يقر عليهم» .
[ ١ / ٣٠٠ ]
والجيش قالوا: محمد والله والخميس! وأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر الله أكبر! خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ! فخرج مرحب اليهودي من الحصن يرتجز «١» ويطلب البراز، فقال رسول الله ﷺ: «من لهذا»؟ «٢» فقال محمد بن مسلمة «٢»: أنا يا رسول الله «٣» ! فلما دنا أحدهما من صاحبه بادر مرحب بالسيف، فاتقاه «٤» محمد بن مسلمة بدرقته، فوقع سيفه فيها وعضّت به الدرقة فأمسكت «٥»، فضربه محمد بن مسلمة فقتله، ثم بعث رسول الله ﷺ رجلا «٦» يقاتل فمر ورجع ولم يكن فتحا «٧»، ثم بعث آخر يقاتل فمر ورجع ولم
_________________
(١) زيد في الطبري: ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرّب أطعن أحيانا وحينا أضرب إذا الليوث أقبلت تحرّب كان حماي للحمى لا يقرب (٢- ٢) في الطبري «فقام محمد بن مسلمة فقال» .
(٢) في الطبري «أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر! قتلوا أخي بالأمس، قال: «فقم إليه، اللهم! أعنه عليه»، فلما أن دنا كل واحد منهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، فكلما لاذ بها اقتطع بسيفه منها ما دونه منها حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما بينهما فنن» .
(٣) من الطبري، وفي ف «فألقاه» .
(٤) وفي الطبري «فأمسكته» .
(٥) في ف «رجالا» كذا.
(٦) زيد في الطبري «ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني ياسر شاك السلاح بطل مغاور إذا الليوث أقبلت تبادر وأحجمت عن صولتي المغاور إن حماي فيه موت حاضر عن هشام بن عروة أن الزبير بن العوام خرج إلى ياسر فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: أيقتل ابني يا رسول الله؟ قال: بل ابنك يقتله إن شاء الله! فخرج الزبير وهو يقول: قد علمت خيبر أني زبّار قرم لقوم غير نكس فغرار ابن حماة المجد وابن الأخيار ياسر لا يغررك جمع الكفار فجمعهم مثل السراب الجرّار ثم التقيا فقتله الزبير» .
[ ١ / ٣٠١ ]
يكن فتحا، وحمى الحرب بينهم وتقاعسوا «١»، فقال النبي ﷺ: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله! ويحبه الله ورسوله! «٢» «٣» يفتح الله على يديه، ليس بفرار، فلما أصبح دعا عليا «٣» وهو أرمد، فتفل في عينيه «٤» فبرأ، ثم قال: خذ هذه الراية واقبض بها حتى يفتح الله عليك» «٤»، فخرج عليّ يهرول والمسلمون خلفه حتى ركز رايته في رضم «٥» من حجارة، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن وقال: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى! فلم يزل عليّ يقاتل حتى سقط ترسه من يده، ثم تناول بابا صغيرا كان عند الحصن فاترس به، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده، فلما
_________________
(١) في ف «تكاعسوا» كذا.
(٢) وفي الطبري برواية بريدة الأسلمي «قال: لما كان حين نزل رسول الله ﷺ بحصن أهل خيبر أعطى رسول الله ﷺ اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله ﷺ يجبنه أصحابه ويجبنهم، فقال رسول الله ﷺ: لأعطين اللواء غدا.. وفيه برواية بريدة أيضا «قال: كان رسول الله ﷺ ربما أخذته الشقيقة فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل رسول الله ﷺ خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس وأن أبا بكر أخذ راية رسول الله ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله فقال: أما والله لأعطينها غدا رجلا » . (٣- ٣) في الطبري «فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر فدعا عليا» وفي رواية من الطبري «فتطاولت لها قريش ورجا كل واحد منهم أن يكون صاحب ذلك » . (٤- ٤) في الطبري «وأعطاه اللواء ونهض معه من الناس من نهض قال: فلقي أهل خيبر فإذا مرحب يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب اطعن أحيانا وحينا أضرب إذا الليوث أقبلت تلهب فاختلف هو وعليّ ضربتين فضربه عليّ على هامته حتى عض السيف منها بأضراسه وسمع أهل العسكر صوت ضربته فما تتام آخر الناس مع عليّ ﵇ حتى فتح الله له ولهم» .
(٣) في النهاية: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أتى رضمة جبل، هي واحدة الرضم والرضم والرضام وهي دون الهضاب، وقيل: صخور بعضها على بعض.
[ ١ / ٣٠٢ ]
أيقن اليهود بالهلكة «١» سألوا رسول الله ﷺ أن يحقن «٢» دماءهم «٣» وأن يسيرهم، ففعل رسول الله ﷺ ذلك «٤»، فنزلوا على ذلك وقالوا: يا محمد! إنا نحن أرباب الأموال ونحن أعلم بها منكم «٥» فعاملناها، فعاملهم «٦» رسول الله ﷺ الخيبر على النصف «٧» . فلما فعل ذلك أهل خيبر سمع بذلك أهل فدك، بعث إليهم رسول الله ﷺ محيصة «٨» بن مسعود، فنزلوا على ما نزلت عليه اليهود بخيبر على أن يسيرهم «٩» ويحقن دماءهم، فعاملهم «١٠» رسول الله ﷺ على مثل معاملة «١١» أهل خيبر «١٢»، فكانت فدك لرسول الله ﷺ خالصة، وذلك أنه لم يوجف «١٣» عليها بخيل ولا ركاب، وقسم رسول الله ﷺ خيبر على ألف وثمانمائة سهم، وكان الرجال بها ألف «١٤»
_________________
(١) في الطبري ٣/ ٩٥ «وحاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة» .
(٢) من الطبري، وفي الأصل «بحقن» .
(٣) وفي الطبري ٣/ ٩٥ «ويحقن لهم دماءهم ففعل، وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم لهم ويخلوا الأموال ففعلوا» .
(٤) زيد في الطبري «وكان فيمن مشى بينهم وبين رسول الله في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة» .
(٥) زيد في الطبري «واعمر لها» .
(٦) في الطبري «فصالحهم» .
(٧) زيد في الطبري «على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» .
(٨) التصحيح من الطبري، وفي ف «محيصنة» خطأ.
(٩) في ف: يسرهم- كذا.
(١٠) في ف «فأمرهم» كذا.
(١١) وقع في ف «بعليلة» مصحفا.
(١٢) وفي الطبري «وصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر فيئا للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ» .
(١٣) من السيرة ٢/ ٢٤٨ وفي الأصل «يوحف»، وفي الطبري «لأنهم لم يجلبوا عليهم بخيل ولا ركاب» .
(١٤) في ف: ألف- كذا.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وأربعمائة والفرس مائتي فرس، فقسم للفارس ثلاثة أسهم: سهمين لفرسه وسهما له، وللرّجل «١» سهما، فكان للأفراس أربعمائة ولركابها، «٢» ولرجالهم «٢» ألف وأربعمائة سهم، وكان سهم رسول الله ﷺ مع عاصم بن عدي؛ ثم أطعم رسول الله ﷺ رجالا مشوا بين رسول الله ﷺ وبين أهل فدك في الصلح، وأعطى محيّصة ابن مسعود ثلاثين وسقا من شعير وثلاثين وسقا من تمر، وقسم «٣» سهم ذوي «٣» القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب؛ فكانت قسمة خيبر على ما وصفنا. وكانت صفية «٤» بنت حيي بن أخطب في السبي، أخرجوها من حصن القموص «٥»، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه. وسئل رسول الله ﷺ عن آنية المشركين، فقال:
اغسلوها وكلوا فيها وأطعموا، وأطعم رسول الله ﷺ تسعا «٦» من نسائه اللاتي توفي وهن عنده تسعمائة وسق تمر ومن القمح مائة وثمانين وسقا. فلما فرغوا من الغنائم وقسمها أكل المسلمون لحوم الحمر الأهلية [فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم] «٧» عن المتعة، وأمر بالقدور أن تكفأ، ثم قام رسول الله ﷺ
_________________
(١) أي الراجل. (٢- ٢) وفي ف: لجمالهم- كذا، وفي السيرة: وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله ﷺ ألف سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم، الرجال أربع عشرة مائة والخيل مائتا فرس، فكان لكل فرس سهمان ولفارسه سهم، وكان لكل راجل سهم، فكان لكل سهم رأس جمع إليه مائة رجل فكانت ثمانية عشر سهما جمع» . (٣- ٣) في ف: بينهم ذي- كذا.
(٢) وفي الطبري «عن ابن إسحاق قال: لما فتح رسول الله ﷺ القموص حصن ابن أبي الحقيق أتى رسول الله بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها فمر بهما بلال وهو الذي جاء بهما على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله قال: اغربوا عني هذه الشيطانة، وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداؤه، فعرف المسلمون أن رسول الله ﷺ قد اصطفاها لنفسه» .
(٣) من الطبري، وفي ف «الغموص» .
(٤) في ف: تسعة.
(٥) من صحيح البخاري ٢/ ٦٠٤ و٦٠٦، وزيد في الأصل «و» .
[ ١ / ٣٠٤ ]
فيهم خطيبا فقال: «لا يحل لا مرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره- يعني إتيان الحبائل من السبايا، ولا يحل لا مرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة «١» ثيبا من السبي «١» حتى يستبرئها، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر [أن] «٢» يبيع مغنما «٣» حتى يقسم، ولا يحل لا مرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من غنيمة المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيها؛ ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده»؛ ثم اطمأن الناس.
وأهدت «٤» زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم لرسول الله ﷺ شاة مصلية وأكثرت فيها من السم، فلما وضعته بين يدي رسول الله ﷺ قال: «إن هذا «٥» العظم يخبرني «٦» أنه مسموم» ! ثم دعاها «٧» فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك»؟ فقالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر؛ فتجاوز عنها رسول الله ﷺ، وكان بشر بن البراء بن معرور يأكل مع رسول الله ﷺ فأكل منها قطعة وكان ذلك سبب موته.