أخبرنا محمد بن محمد الهمداني ثنا محمد بن عبد الأعلى «٢» الصنعاني ثنا بشر ابن المفضل ثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة «٣» ذكر النبي ﷺ قال: «وقف على بعيره وأمسك إنسان بخطامه- أو قال:
بزمامه- فقال: أيّ يوم هذا؟» فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال:
«أليس بيوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «فأي شهر هذا؟» فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه فقال: «أليس بذي» [الحجة؟ قلنا: بلى، قال: فأي بلد هذا؟
فسكتنا] «٤» حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: «أليس البلد الحرام؟» قلنا:
بلى، فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا؛ ألا! ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من أوعى له منه» .
_________________
(١) وحسناته بعد موته علما علمه ونشره وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجه من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته.
(٢) قوله: ولد صالح يدعو له، إنما ذكر دعاءه تحريضا للولد على الدعاء لأبيه حتى قيل يحصل للوالد ثواب من عمل الولد الصالح سواء دعا لأبيه أم لا، كما أن من غرس شجرة يجعل للغارس ثواب يأكل ثمرتها سواء دعا له الآكل أم لا، وقوله: وصدقة، فيدوم أجرها كالوقف في وجوه الخير، وفي الأزهار: قال أكثرهم: هي الوقف وأشبهه مما يدوم أجره، وقال بعضهم: هي القناة والعين الجارية المسيلة- مرقاة.
(٣) وله ترجمة في تهذيب التهذيب ٩/ ٢٨٩ وفي آخر ترجمته «قال النسائي في أسماء شيوخه كتبنا عنه، وأثنى عليه خيرا» .
(٤) ذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه ٢/ ٦٣٢ بروايته وفيه: «عن أبي بكرة عن النبي ﷺ- الحديث» .
(٥) ما بين المربعين كان بياضا في الأصل، وأثبتناه من صحيح البخاري ومسند أحمد ٥، ٤١٠، وراجع الصحيح لتقف على باقي الاختلاف.
[ ١ / ٢٨ ]
قال أبو حاتم في قوله ﷺ: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، كالدليل على استحباب حفظ تاريخ المحدثين، الوقوف على معرفة الثقات منهم من الضعفاء، إذ لا يتهيأ للمرء أن يبلغ الغائب ما شهد إلا بعد المعرفة بصحة ما يؤدي إلى من بعده، وأنه إذا أدى إلى من بعده ما لم يصح عن رسول الله ﷺ فكأنه لم يؤد عنه ﷺ شيئا، ولا سبب له إلى معرفة صحة الأخبار وسقيمها إلا بمعرفة تاريخ من ذكر اسمه من المحدثين. وكتابا أبين فيه الضعفاء والمتروكين «١»، وأبدأ منهما بالثقات. فنذكر «٢» ما كانوا عليه في الحالات، فأول ما أبدأ في كتابنا هذا ذكر المصطفى ﷺ ومولده ومبعثه، وهجرته إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنته، ثم نذكر بعده الخلفاء الراشدين المهديين بأيامهم «٣» إلى أن قتل علي رحمة الله عليه، ثم نذكر صحب رسول الله ﷺ واحدا واحدا على المعجم، إذ هم خير الناس قرنا بعد رسول الله ﷺ، ثم نذكر بعدهم التابعين الذين شافهوا «٤» أصحاب رسول الله ﷺ في الأقاليم كلها على المعجم، إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرنا، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين، فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين «٥»، ثم نذكر القرن الرابع الذين هم أتباع التابعين على سبيل من قبلهم «٦»، وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا.
ولا أذكر في هذا الكتاب الأول إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم «٧»، وأقنع بهذين الكتابين المختصرين عن كتاب «التاريخ الكبير» الذي
_________________
(١) في الأصلين «المتركين» خطأ.
(٢) وقع في الأصلين «فذكر» خطأ.
(٣) التصحيح من م، ووقع في ف وس «بآبائهم» .
(٤) التصحيح من م، وفي س وف «هو هو» مصحفا.
(٥) وقع في ف وس «الأولتين» خطأ.
(٦) وقع في الأصلين «قباهم» خطأ.
(٧) في م «بأخبارهم» .
[ ١ / ٢٩ ]
خرجناه لعلمنا «١» بصعوبة «٢» حفظ كل ما فيه من الأسانيد والطرق والحكايات، ولأن ما نمليه في هذين الكتابين أن يسر الله ذلك وسهله من توصيف «٣» الأسماء بقصد «٤» ما يحتاج إليه يكون أسهل على المتعلم إذا قصد الحفظ، وأنشط له في وعيه إذا أراد العلم من التكلف بحفظ ما لو أغضى «٥» عنه في البداية لم يخرج في فعله من التكلف لحفظ ذلك، فكل من أذكره في هذا الكتاب الأول فهو صدوق، يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر «٦» عن واحد ممن أذكره «٧» في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لا ينفك «٨» من إحدى خمس خصال: إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف «٩» لا يحتج بخبره، أو يكون دونه رجل واه «١٠» لا يجوز الاحتجاج بروايته، والخبر يكون مرسلا لا يلزمنا به الحجة، أو يكون منقطعا لا يقوم بمثله الحجة، أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين «١١» سماعه في الخبر من الذي سمعه منه، فإن المدلس ما لم يبين «١٢» سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر، لأنه «١٣» لا يدري لعله «١٣» سمعه من إنسان ضعيف يبطل «١٤» الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف
_________________
(١) وقع في ف وس «لعلمين» مصحفا عن «لعلمنا»، ووقع في م «لعلمي» .
(٢) في ف وس «ضعيف» خطأ.
(٣) كذا في ف وس، وفي م «تصريف» .
(٤) في م «لقصد» .
(٥) من م، وفي ف وس. أغضا» .
(٦) التصحيح من م، ووقع في ف وس «منكم مصحفا.
(٧) هكذا في ف وس، وفي م «ذكرته.
(٨) التصحيح من م، ووقع في ف وس «لا ينقط» مصحفا.
(٩) في ف «ضعيف» خطأ.
(١٠) في ف وس «واهي» .
(١١) في ف وس «لم تبين» .
(١٢) في ف وس «لم تبين» كذا. (١٣- ١٣) التصحيح من م، ووقع في ف وس «لا يدرا لعله» مصحفا.
(١٣) التصحيح من م، ووقع في ف وس «يبكل» مصحفا.
[ ١ / ٣٠ ]
الخبر به، فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة «١»: سمعت أو: حدثني، فلا يجوز الاحتجاج بخبره؛ فذكرت هذه المسألة بكمالها بالعلل والشواهد والحكايات في «كتاب شرائط الأخبار» «٢»، فأغنى «٣» ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب، وإنما «٤» أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ وقد ضعفه بعض أئمتنا «٥»، ووثقه «٦» بعضهم، فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب «الفصل «٧» بين النقلة» «٨» أدخلته في هذا الكتاب لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب «الفصل بين النقلة» لم أذكره في هذا الكتاب، لكني أدخلته في «كتاب الضعفاء بالعلل» «٩»، لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره «١٠»، فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى «١١» خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره، لأن العدل من لم يعرف منه الجرح «١٢» ضد التعديل، فمن لم يعلم بجرح «١٣» فهو عدل إذا لم يبين
_________________
(١) في الأصلين «نقة» كذا.
(٢) كذا؛ ولم يذكره صاحب كشف الظنون، وذكر صاحب الأعلام في ترجمته: له «غرائب الأخبار» .
(٣) هكذا في م، وفي ف وس «فاغنا» .
(٤) في م «ربما» .
(٥) من م، وفي ف وس «المشايخ» .
(٦) من م، وفي ف وس «وقفه» خطأ.
(٧) في ف وس الفضل خطأ.
(٨) وما ذكر صاحب كشف الظنون هذا الكتاب ولا غيره.
(٩) زيد في الاعلام ومن مؤلفات ابن حبان أن «له معرفة المجروحين من المحدثين» . وقد يطبع في حيدر آباد باسم «كتاب المجروحين» لابن حبان هذه نسخة نادرة من مكتبة آيا صوفية تحت رقم ٤٩٦ (استانبول) وعليه تعليق أبي الحسن الدارقطني ﵀ وغيره.
(١٠) في الأصلين «بخبر» .
(١١) من م، وفي الأصلين «تفدي» .
(١٢) في الأصلين «الحرج» كذا.
(١٣) في ف وس «بجرج» كذا.
[ ١ / ٣١ ]
ضده، إذ لم يكلف «١» الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم «٢» ! وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم؛ جعلنا الله ممن أسبل عليه جلاليب الستر في الدنيا واتصل «٣» ذلك بالعفو عن جناياته في العقبى! إنه الفعال لما يريد.
_________________
(١) من م، وفي ف وس «يكن» .
(٢) في م «عليه» .
(٣) التصحيح من م، ووقع في ف وس «انقل» خطأ.
[ ١ / ٣٢ ]