تشاوروا في مسيرهم فقال الزبير: [عليكم بالشام] «٥» بها الأموال والرجال، وقال ابن عامر: البصرة فإن غلبتهم عليها فلكم الشام، إن معاوية قد سبقكم إلى الشام وهو ابن عم عثمان، وإن البصرة لي بها صنائع «٦» ولأهلها في طلحة هوى، وكانت عائشة تقول: نقصد المدينة، فقالوا لها: يا أم المؤمنين! دعي المدينة فإن [من] «٧» معك [لا يقرنون] «٧» لتلك الغوغاء، واشخصي معنا إلى البصرة، فإن أصلح الله هذا الأمر كان الذي نريد، وإلا فقد بلغنا ويقضي الله فيه ما أحب، وكلموا حفصة ابنة عمر أن تخرج معهم فقالت: رأيي تبع لرأي عائشة، فأتاها عبد الله بن عمر فناشدها الله أن تخرج، فقعدت وبعثت إلى عائشة أن أخي حال بيني وبين الخروج، فقالت: يغفر الله لابن عمر. ثم نادى منادي طلحة والزبير: من كان عنده مركب وجهاز، وإلا فهذا جهاز ومركب، فحملوا على ستمائة ناقة [سوى] «٧» من كان له مركب، وكانوا نحو ألف نفس، وتجهزوا بالمال، وشيعهم
_________________
(١) من الفتوح، وفي الأصل: عليه.
(٢) من الفتوح، وفي الأصل: قد.
(٣) زيد من الفتوح ٢/ ٢٧٩.
(٤) زيد بناء على الفتوح.
(٥) زيد من الفتوح، وراجع أيضا الطبري ٥/ ١٦٦.
(٦) من الطبري، وفي الأصل: صنايعا.
(٧) زيد من الطبري ٥/ ١٦٧.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
نساء النبي ﷺ، وكان كلهن بمكة حاجّات إلا أم سلمة فإنها سارت «١» إلى المدينة، فلما بلغوا ذات عرق ودعت أزواج النبي ﷺ وبكين وبكى الناس، فما رأوا بكاء أكثر من ذلك اليوم، وسمي يوم النحيب «٢» . وجعلن يدعون على قتلة عثمان الذين سفكوا في حرم رسول الله ﷺ الدم الحرام، ثم انصرفن، ومضت عائشة وهي تقول: اللهم! إنك تعلم أني لا أريد إلا الإصلاح فأصلح بينهم.
وبعثت أم الفضل حين خرجت عائشة ومن معها من مكة إلى علي رجلا من جهينة «٣» قالت له: اقتل في كل مرحلة بعيرا «٤» وعليّ ثمنه، وهذه مائة دينار وكسوة، وكتبت معه «أما [بعد! فإن] «٥» طلحة والزبير وعائشة خرجوا من مكة يريدون البصرة» فقدم المدينة وأعطى عليا الكتاب، فدعا علي محمد بن أبي بكر فقال له:
ألا ترى إلى أختك خرجت مع طلحة والزبير! فقال محمد بن أبي بكر: إن الله معك ولن يخذلك، والناس ناصروك «٦» .
ثم قام علي «٧» فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس، تهيئوا للخروج إلى قتال أهل الفرقة فإني سائر إن شاء الله، إن الله بعث رسولا صادقا بكتاب «٨» ناطق وأمر واضح، لا يهلك عنه «٩» إلا هالك، وإن في سلطان الله عصمة «١٠» أمركم فأعطوه طاعتكم، وقد قال رسول الله ﷺ «إن الإسلام ليأرز «١١» إلى المدينة كما
_________________
(١) في الأصل: سارة- كذا.
(٢) من الطبري ٥/ ١٧٣، وفي الأصل: النجيب.
(٣) من الطبري ٥/ ١٦٧ والفتوح ٢/ ٢٨٦.
(٤) من الفتوح، وفي الأصل: بعير.
(٥) زيد من الفتوح.
(٦) من الفتوح ٢/ ٢٨٧، وفي الأصل: لا يضرك.
(٧) وراجع لهذه الخطبة الطبري ٥/ ١٦٣ و١٦٤ والفتوح ٢/ ٢٨٧.
(٨) من الطفري والفتوح، وفي الأصل: كتاب.
(٩) من الطبري، وفي الأصل: عليه.
(١٠) من الطبري والفتوح، وفي الأصل: عظمة.
(١١) من كتب الأحاديث، وفي الأصل: ليرزا.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
تأرز «١» الحية إلى جحرها» . انهضوا إلى هؤلاء الذين يريدون تفريق جماعتكم، لعل الله يصلح بكم ذات البين.
وبعث «٢» علي الحسن بن علي وعمار بن ياسر إلى الكوفة لاستنفارهم «٣»، فلما قدموا الكوفة [قام] «٤» أبو موسى الأشعري في الناس وكان واليا [عليها] «٤» وأخبرهم بقدوم الحسن واستنفاره إياهم إلى أمير المؤمنين على إصلاح البين.
وقدم زيد بن صوحان «٥» من عند عائشة معه كتابان من عائشة إلى أبي موسى والي الكوفة وإذا في كل كتاب منهما «بسم الله الرحمن الرحيم- من عائشة أم المؤمنين إلى عبد الله بن قيس الأشعري- سلام عليك! فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد! فإنه قد كان من قتل عثمان ما قد علمت، وقد خرجت مصلحة بين الناس، فمر من قبلك بالقرار في منازلهم والرضا بالعافية حتى يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين، فإن قتلة عثمان فارقوا الجماعة وأحلوا بأنفسهم البوار» فلما قرأ الكتابين «٦» وثب عمار بن ياسر «٧» فقال: أمرت عائشة بأمر، وأمرنا بغيره، أمرت أن تقر في بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فهوذا تأمرنا بما أمرت، وركبت ما أمرنا به، ثم قال «٨»: هذا ابن عم رسول الله ﷺ فاخرجوا إليه، ثم انظروا في الحق ومن الحق معه. ثم قام الحسن بن علي فقال: يا أيها الناس! أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، لعل الله يصلح بينكم. ثم قام هند بن عمرو البجلي فقال: إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا ابنه فاتبعوا قوله وانتهوا
_________________
(١) من كتب الأحاديث، وفي الأصل: ترزا.
(٢) راجع الطبري ٥/ ١٩٨ والفتوح ٢/ ٢٩٠.
(٣) في الأصل: لاستنقادهم.
(٤) زيد من الفتوح.
(٥) من الطبري ٥/ ١٨٨، وفي الأصل: صرحان.
(٦) في الأصل: الكتابان.
(٧) راجع أيضا الفتوح ٢/ ٢٩١.
(٨) راجع أيضا الفتوح ٢/ ٢٩٢، والطبري ٥/ ١٨٩.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
إلى أمره، فقام حجر بن عدي الكندي فقال: أيها الناس! أجيبوا أمير المؤمنين، وانفروا خفافا وثقالا بأموالكم وأنفسكم «١» . ثم قال الحسن: أيها الناس! إني غاد، فمن شاء منكم فليخرج معي على الظهر، ومن شاء فليخرج في الماء، فأجابوه، وخرج معه تسعة آلاف نفس بعضهم على البر وبعضهم على الماء، وساروا حتى بلغوا ذا قار، وخرج علي من المدينة معه ستمائة رجل، وخلف على المدينة سهل بن حنيف «٢»، فالتقى هو وابنه الحسن مع من خرج معه من الكوفة بذي قار، فخرجوا جميعا إلى البصرة ولم يدخل علي الكوفة، وكتب إلى المدينة إلى سهل بن حنيف أن يقدم «٣» عليه ويولي «٤» على المدينة أبا حسن المازني «٥»؛ والتقى مع طلحة والزبير وعائشة بالجلحاء»
على فرسخين من البصرة، وذلك لخمس خلون من جمادى الآخرة، وكان علي كثيرا ما يقول: يا عجب كل العجب، من جمادى ورجب! فكان من أمرهم ما كان.
وقتل «٧» ابن جرموز الزبير ثم أتى عليا يخبره فقال عليّ: سمعت رسول الله ﷺ [يقول] «٨» «قاتل ابن صفية بالنار» فقال ابن جرموز: إن قتلنا معكم فنحن في النار! وإن قاتلناكم فنحن في النار! ثم بعج «٩» بطنه بسيفه فقتل نفسه. وأما طلحة «١٠» فرماه مروان بن الحكم بسهم من ورائه، فأثبته فيه وقتله، وحمله إلى
_________________
(١) راجع لكل ذلك الطبري ٥/ ١٨٩.
(٢) راجع الكامل ٣/ ١١٠.
(٣) في الأصل: تقدم، والتصحيح من طبقات ابن سعد ٣/ ١/ ٢٠.
(٤) في الأصل: تولى، ومبنى التصحيح على الطبقات.
(٥) راجع أيضا تاريخ اليعقوبي ٢/ ١٨١.
(٦) من الكامل ٣/ ١٢٠، وفي الأصل: بالحلحاء.
(٧) في الأصل: قاتل، وراجع الطبري ٥/ ٢٠٥ والأخبار الطوال ١٤٨ والفتوح ٢/ ٣١٢.
(٨) زيد من الفتوح.
(٩) أي شق.
(١٠) راجع أيضا الفتوح ٦/ ٣٢٦.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
البصرة فمات بها، فقبر طلحة بالبصرة، وقتل الزبير بوادي السباع؛ وكان كعب بن سور قد علق المصحف في عنقه ثم يأتي هؤلاء فيذكرهم، ويأتي هؤلاء فيذكرهم حتى قتل «١» .
وكان علي ينادي مناديه: «لا تقتل مدبرا، ولا تذفف «٢» على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن، ولم يقتل بعد آن واحدا «٣» .
فلما اطمأن الناس بعث «٤» علي بعائشة مع نساء من أهل العراق إلى المدينة، وأقام بالبصرة خمسة عشر يوما ثم خرج إلى الكوفة، وولى على البصرة عبد الله بن عباس، وولى الولاة في البلدان، وكتب إلى المدن بالقرار والطاعة.
ثم إن أبا مسلم الخولاني «٥» قال لمعاوية: على ما تقاتل عليا وهو ابن عم رسول الله ﷺ وله من القدم والسابقة ما ليس لك وإنما أنت رجل من الطلقاء؟ فقال له معاوية: أجل! والله ما نقاتل عليا، وأنا [لست] «٦» أدعي في الإسلام مثل الذي له، ولكن أقاتله على دم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأنا أطلبه بدمه، فقال أبو مسلم: إني «٧» أستخبر لك عن ذلك، فركب راحلته وانتهى إلى الكوفة، ثم نزل عن راحتله وأتى عليا ماشيا والناس عنده ولا يعرفه أحد، فقال: من قتل عثمان؟ فقال علي: الله قتل عثمان وأنا معه، فخرج أبو مسلم ولم يتكلم، ومضى حتى انتهى إلى راحلته فركبها، ولحق بالشام فانتهى إلى معاوية وهو يثقل، فقيل له: هذا أبو مسلم قد جاء، فعانقه معاوية وسأله عن سفره وخاف أن يكون «٨» قد جاء بشيء مما يكره،
_________________
(١) وراجع أيضا الكامل ٣/ ١٢٢ و١٢٣ وتاريخ الإسلام ٢/ ١٤٩.
(٢) في الأصل: يدفن، والتصحيح بناء على الطبري ٥/ ٢٢٣، وراجع أيضا الأخبار الطوال ١٥١.
(٣) في الأصل: لواحدا.
(٤) راجع الطبري ٥/ ٢٢٥.
(٥) راجع أيضا الأخبار الطوال ١٦٢ وسمط النجوم ٢/ ٤٤٧ وتاريخ الإسلام ٢/ ١٦٨.
(٦) زيد من الأخبار الطوال.
(٧) في الأصل: ان.
(٨) في الأصل: يكن.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
فقال أبو مسلم: والله لتقاتلن عليا أو لنقاتلنه، فإنه قد أقر بقتل أمير المؤمنين عثمان، فقام معاوية فرحا وصعد المنبر واجتمع إليه الناس وحمد الله وأثنى عليه، وقام أبو مسلم خطيبا وحرض الناس على قتال علي؛ فصح خروج أهل الشام قاطبة «١» على علي وطلبهم إياه بدم عثمان.
ثم إن حجر بن الأدبر «٢» قدم على علي فقال: يا أمير المؤمنين! الجماعة والعدد والمال مع الأشعث بن قيس بآذربيجان فابعث إليه فليقدم، فكتب إليه «٣» علي «بسم الله الرحمن الرحيم- من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس، أما بعد! فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم واحمل ما غللت «٤» من المال» . فكتب إليه الأشعث بن قيس «أما بعد! فقد جاءني كتابك بأن أقدم عليك وأحمل «٥» ما غللت من مال الله، فما أنت وذاك! والسلام»، ثم قال الأشعث: والله! لأدعنه بحال مضيعة، ولأفسدن عليه الكوفة، ثم ارتحل من آذربيجان وهو يريد معاوية، وبلغ ذلك عليا وشق عليه خروجه إلى معاوية، فقال حجر بن الأدبر: يا أمير المؤمنين! ابعثني إلى الأشعث بن قيس فأنا أعرف به وأرفق، وإن هو خوشن لم يجب أحدا، قال له علي: سر إليه، فسار حجر إليه فأدركه بشهرزور «٦» فقال له حجر: يا أبا محمد! أنشدك الله أن تأتي معاوية وتدع ابن عم رسول الله ﷺ، فقال الأشعث: أوما سمعت كتابه إليّ؟ فقال حجر: إنك [إن] «٧» أتيت معاوية أقبلنا «٨» جميعا إلى الشام، وأنشدك الله ألا نظرت إلى أيتام قومك وأياماهم! فإني لا
_________________
(١) في الأصل: قاضية.
(٢) هو حجر بن عدي- راجع الإصابة.
(٣) وراجع لهذه المكاتبة وما ترتب عليها الفتوح ٢/ ٢٦٧ وما بعده.
(٤) في الأصل: عملت، والتصحيح مما سيأتي.
(٥) في الأصل: أحل، والتصحيح مما مضى آنفا.
(٦) في الأصل: بشهررور، ومبني التصحيح على معجم البلدان.
(٧) زيد لاستقامة العبارة.
(٨) في الأصل: اقتلنا.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
آمن أن يفتضحوا غدا، قال: فما تريد يا حجر؟ قال: تنحدر معي إلى الكوفة، فإنك شيخ العرب وسيدها والمطاع في قومك، وسيصير إليك الأمر، فلم يزل به حجر حتى قال: ليصرفوا «١» صدور الركائب إلى الكوفة، فتقدم «٢» على علي فسرّ علي بمجيئه فقال: مرحبا وأهلا بأبي محمد على عجلته، فقال: أمير المؤمنين! إن هذا ليس بيوم عتاب، ثم أقام مع علي بالكوفة. وحج بالناس عبد الله بن عباس بأمر علي ولاه.