حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة «١» في عشرة آلاف رجل من أحابيشهم «٢» ومن تابعهم من أهل كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بذنب نقمى «٣» إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله ﷺ- واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وذلك في شهر شوال- حتى جعل سلعا وراء ظهره والخندق بينه وبين القوم، وهو في ثلاثة آلاف من المسلمين، وخرج حي «٤» بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد «٥» صاحب بني قريظة، فلم يزل [يفتله] «٦» حتى بايعه على ذلك.
_________________
(١) من المغازي ٢/ ٤٤٤ والسيرة ٢/ ١٤٠، وفي ف والطبري ٣/ ٤٦ «دومة» وفي المعجم ٤/ ٣٣٦ «رومة: أرض بالمدينة بين الحرف وزغابة، نزلها المشركون عام الخندق» .
(٢) من الطبري والسيرة، وفي ف «أحابيشها» .
(٣) في معجم البلدان ٨/ ٣١٠ «نقمى بالتحريك والقصر من النقمة موضع من أعراض المدينة كان لآل أبي طالب؛ قال ابن إسحاق: وأقبلت غطفان يوم الخندق ومن تبعها من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جنب أحد» .
(٤) من المراجع كلها، وفي ف «حي» .
(٥) زيد في الطبري «القرظي» .
(٦) من الطبري والسيرة والعبارة فيهما كما يلي «وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاهده على ذلك وعاقده، فلما سمع كعب بحي بن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبي أن يفتح له، فناداه حي: يا كعب! افتح لي، قال: ويحك يا حي، إنك أمر مشؤوم، إني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أرمنه إلا وفاء وصدقا، قال: ويحك! افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها، فاحفظ الرجل؛ ففتح له فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه، فقال له كعب بن أسد: جئتني والله بذل الدهر بجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك! فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء؛ فلم يزل حي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وبرىء مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله ﷺ» .
[ ١ / ٢٥٦ ]
ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخوات بن جبير يستخبرون خبر كعب بن أسد أهم على وفاء أم لا، فمضوا إليه فسألوه، فقال: لا عهد بيننا وبين محمد، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه.
فأقام رسول الله ﷺ «١» بحذاء المشركين «١» بضعا «٢» وعشرين ليلة. ثم قال النبي ﷺ: «من يأتيني بخبر القوم»؟ فقال الزبير: أنا، ثم قال النبي ﷺ: «إن لكل نبي حواريا»، وإن حواريّ الزبير «٣» . ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل، غير أن فوارس «٤» من قريش منهم عمرو بن «٥» عبدود بن [أبي] «٦» قيس أخو «٧» بني عامر وعكرمة بن أبي جهل المخزومي وهبيرة بن أبي وهب المخزومي وضرار بن الخطاب «٨» بن مرداس المحاربي «٩»، قد تهيأوا للقتال «١٠» وتلبسوا وخرجوا على خيلهم ومروا بمنازل كنانة، ثم أقبلوا بخيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه «١١» المكيدة ما كانت العرب تكيدها! ثم أتوا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه «١٢» وجالت «١٣» في السبخة «١٤» بين الخندق
_________________
(١) (١- ١) في الطبري ٣/ ٤٧ «وأقام المشركون عليه» وانظر السيرة ٢/ ١٤١.
(٢) من السيرة والطبري، وفي ف «بضع» .
(٣) زيد في المغازي ٢/ ٤٥٧ «وابن عمتي» .
(٤) في ف «فوارسا» والتصحيح من الطبري ٣/ ٤٨ والسيرة ٢/ ١٤٢.
(٥) من السيرة ٢/ ١٤٢ والطبري ٣/ ٤٨، وفي ف «و» خطأ.
(٦) زيد من الطبري والسيرة.
(٧) من الطبري والسيرة، وفي ف: أحد.
(٨) من السيرة والطبري، وفي ف «الحرث» كذا.
(٩) في السيرة والطبري «أخو بني المحارب» .
(١٠) من الطبري، وفي ف «القتال» .
(١١) في ف «هذا»، والتصحيح من الطبري والسيرة.
(١٢) من السيرة والطبري، وفي ف «فيه» .
(١٣) في ف «حالت» خطأ. وفي السيرة والطبري «فجالت بهم» .
(١٤) من السيرة والطبري، وفي ف «السحنة» .
[ ١ / ٢٥٧ ]
وسلع. فلما رآهم المسلمون خرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم «١» الموضع الذي منه اقتحموا «١» وأقبلت الفوارس تعنق «٢» نحوهم، وكان عمرو بن عبدود فارس قريش وقد كان قاتل يوم بدر «٣» ولم يشهد أحدا، فخرج عام الخندق معلما ليرى مشهده «٤»؛ فلما وقف هو وخيله «٥» قال علي بن أبي طالب: يا عمرو! إني أدعوك إلى البراز «٦»، قال: ولم يا ابن أخي؟ فو الله: ما أحب أن أقتلك! قال علي: لكني والله أحب أن أقتلك! فحمى عمرو عند ذلك واقتحم عن فرسه وعقره ثم أقبل إلى علي، فتنازلا وتجاولا إلى أن قتله علي وخرجت [خيله] «٧» منهزمة من الخندق.
وحبس رسول الله ﷺ عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وذلك بعد أن كفوا، كما قال الله تعالى: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ «٨» .
ولم يقتل من المسلمين غير ستة نفر: كعب بن زيد الدنباني «٩»، ورمي سعد «١٠» بن معاذ بسهم فقطع أكحله، وعبد الله بن سهل، وأنس «١١» بن أوس بن
_________________
(١) (١- ١) في السيرة والطبري «الثغرة التي أقحموا منها» .
(٢) من السيرة والطبري، وفي ف «تحفق» .
(٣) زيد في الطبري والسيرة «حتى أثبتته الجراحة» .
(٤) في ف «مسهده» خطأ، وفي الطبري والسيرة «مكانه» .
(٥) زيد في السيرة «قال: من يبارز؟ فبرز له علي ابن أبي طالب فقال له: يا عمرو! إنك قد كنت عاهدت الله بما يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال له علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام! قال: لا حاجة لي بذلك» انظر الطبري أيضا.
(٦) في الطبري والسيرة: النزال.
(٧) من الطبري، وفي السيرة «خيلهم» .
(٨) سورة ٣٣ آية ٢٥.
(٩) كذا، ولعله «الأنصاري»، وفي الإصابة ٥/ ٣٠٣ «كعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب بن حارثة ابن دينار بن النجار الأنصاري » .
(١٠) وقع في ف «سهد» مصحفا.
(١١) في ف: أنيس، والتصحيح من المغازي ١/ ٤٩٥ والإصابة ١/ ٦٨.
[ ١ / ٢٥٨ ]
عتيك، والطفيل «١» بن النعمان بن خنساء، وثعلبة بن غنمة، وقتل من المشركين جماعة.
ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! إني أسلمت وإن قومي لا يعلمون بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله ﷺ:
«إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا «٢»، فإن الحرب خدعة» «٣»، فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال: يا معشر قريظة! إنكم قد عرفتم ودّي لكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت «٤»، قال: فإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وإنهم «٥» ليسوا كهيئتكم «٦»، البلد بلدكم لا تقدرون «٧» [على] «٨» أن تتحولوا عنه «٩»، وإن قريشا وغطفان «١٠» إن وجدوا فرصة أشهروها، وإن كان غير ذلك هربوا «١٠» وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم «١١»، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون «١٢» بأيديكم «١٣» على أن يقاتلوا مع القوم «١٣»
_________________
(١) في ف «للطفيل» تصحيف.
(٢) زيد في الطبري ٣/ ٥٠ «إن استطعت» .
(٣) من الطبري والسيرة ٢/ ١٤٤، وفي ف «خداع» .
(٤) زيد في الطبري والسيرة «لست عندنا بمتهم» .
(٥) في الطبري «وقد ظاهرتموهم عليه وإن قريشا وغطفان» .
(٦) من الطبري، ووقع في ف «كمتكم» مصحفا، وفي السيرة «كأنتم» .
(٧) من الطبري والسيرة، وفيهما قبله «به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم»؛ وفي ف «لا تقدروا» .
(٨) زيد من الطبري والسيرة.
(٩) في الطبري والسيرة «تحولوا منه إلى غيره» . (١٠- ١٠) في الطبري: أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره، فليسوا كهيئتكم، إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم» - انظر السيرة أيضا.
(١٠) زيد في الطبري والسيرة «ولا طاقة لكم به» .
(١١) في ف «يكونوا» . (١٣- ١٣) في الطبري ٣/ ٥١ «ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا» وفي السيرة «ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا» .
[ ١ / ٢٥٩ ]
حتى تناجزوه، فقالوا: قد أشرت برأي ونصح. ثم خرج نعيم «١» حتى أتى قريشا وأبا سفيان فقال: يا معشر قريش «١» ! إنكم قد عرفتم ودي لكم «٢»، قد رأيت أن حقا عليّ أن أبلغكموه وأنصح لكم فاكتموه عليّ «٣»، قالوا: نفعل، قال: إن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك منا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم «٤» فتضرب «٥» أعناقهم ثم نكون معك على من «٦» بقي منهم، فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعث «٧» إليكم اليهود يلتمسون رهنا فلا تدفعوا إليهم «٨» .
ثم خرج حتى أتى غطفان «٩» فقال: يا معشر غطفان! إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ «١٠» ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت «١١»، قال: فاكتموا عليّ، قالوا:
نفعل، فقال لهم مثل ما قال لقريش في شأن بني قريظة وحذرهم مثل الذي حذرهم. فلما كانت ليلة السبت «١٢» أرسل أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر معه من رؤوس غطفان إلى بني قريظة فقالوا: لسنا بدار مقام، قد هلك الكراع «١٣»
_________________
(١) (١- ١) كذا في ف، وفي السيرة ٢/ ١٩٣ «حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش» .
(٢) زيد في الطبري والسيرة «وفراقي محمدا» .
(٣) في السيرة والطبري «عني» .
(٤) زيد في السيرة «فنعطيكهم» .
(٥) من السيرة، وفي ف «فنضرب» .
(٦) من السيرة والطبري، وفي ف «ما» .
(٧) في الطبري «بعثت» .
(٨) زيد في السيرة والطبري «منكم رجلا واحدا» .
(٩) في ف «غطفا» خطأ.
(١٠) في ف «أتى» خطأ.
(١١) زيد في السيرة «ما أنت عندنا بمتهم» .
(١٢) زيد في السيرة «من شوال سنة خمس وكان من صنع الله لرسوله ﷺ أن» .
(١٣) كذا في ف، وفي السيرة «الخف» .
[ ١ / ٢٦٠ ]
والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز «١» محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه؛ فأرسلوا «٢» أن غدا السبت «٣» وهو يوم لا نعمل «٤» فيه، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا «٥» رهنا من أشرافكم يكونون عندنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى الحرب «٦» إن اشتدت أن تتشمروا «٧» إلى بلادكم وتتركونا؛ فلما رجع عكرمة إلى قريش وغطفان بما قالت بنو قريظة قالوا: والله! إن الذي جاءكم به نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة أنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا! فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا وقاتلوا، فقالت بنو قريظة: إن الذي ذكر لنا نعيم لحق، «٨» ما يريد القوم «٨» إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا «٩» إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل «١٠»، فأرسلوا [إلى قريش وغطفان] «١١» أنا والله لا نقاتل معكم «١٢» حتى تعطونا رهنا «١٣» . وبعث الله على المشركين ريحا تطرح «١٤» آنيتهم «١٥» وتكفأ قدورهم في يوم شديد البرد، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما
_________________
(١) من السيرة، وفي ف «تناجز» .
(٢) زيد في السيرة «إليهم» .
(٣) في السيرة «إن اليوم يوم السبت» .
(٤) من السيرة، وفي ف «يعمل» .
(٥) من السيرة، وفي ف «تقطعونا» .
(٦) من السيرة، ووقع في ف «العرب» مصحفا.
(٧) في السيرة «إن تنشمروا»، وانشمر وتشمر بمعنى. (٨- ٨) من السيرة، وفي الأصل «ما يريدوا» .
(٨) من السيرة، وفي ف «نتشمروا» .
(٩) زيد في السيرة «في بلدكم» .
(١٠) زيد من السيرة.
(١١) زيد في السيرة «محمدا» .
(١٢) زيد في السيرة «فأبوا عليهم وخذل الله بينهم» .
(١٣) زيد في الأصل «ريحا» خطأ.
(١٤) من السيرة، وفي الأصل: أبنيتهم» .
[ ١ / ٢٦١ ]
اختلف من أمرهم «١» دعا حذيفة بن اليمان، قال: «اذهب فادخل بين القوم وانظر ما يقولون ولا تحدثن شيئا حتى- تأتيني وذلك ليلا»، فدخل حذيفة في الناس، وقام أبو سفيان بن حرب وقال: يا معشر قريش! لينظر كل امرىء من جليسه؟ قال حذيفة: وأخذت رجلا إلى جنبي وقلت له: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش! إنكم والله! ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره «٢»، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله! ما يستمسك «٣» [لنا] «٤» بناء ولا «٥» تطمئن لنا قدور «٦»، فارتحلوا فإني «٧» مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم؛ ثم قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله ﷺ إلى ألا تحدث شيئا حتى تأتيني لقتلته بسهمي؛ فرجع حذيفة إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر. فسمعت غطفان بما صنعت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة هو المسلمون ووضعوا السلاح.