لما صلى رسول الله ﷺ الجمعة في بني عمرو بن عوف أرسل إلى أخواله بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف، وتقاطر الأنصار جميعًا خلفهم، حتى اجتمعوا حول رسول الله ﷺ مرحبين به، فركب الرسول ﷺ ناقته، والناس عن يمينه وشماله وخلفه، منهم الراكب ومنهم الماشي يهللون ويكبرون.
اجتمع بنو عمرو بن عوف وقالوا: يا رسول الله أخرجت ملالا لنا، أم تريد دارًا خيرًا من دارنا؟
فقال ﷺ: "أمرت بقرية تأكل القرى، فخلوها، فإنها مأمورة".
فخرج رسول الله ﷺ من قباء يريد المدينة فوجد الناس قد ملئوا الطرق ومعهم الخدم والصبيان وهم يقولون: الله أكبر، جاءنا محمد، جاءنا رسول الله.
يقول أنس بن مالك: إني لأسعى مع الغلمان يقولون: محمد جاء فننطلق فلا نرى شيئًا حتى أقبل رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر فكنا في بعض جرار المدينة، فبعث لنا رسول الله ﷺ رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار، فخرج الأنصار واستقبلهما زهاء خمسمائة منهم، حتى انتهوا إليها فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، وخرج أهل المدينة حتى إن العوائق فوق البيوت يتراءينه ويقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ١.
وعن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع٢
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٠ ص٢٩١. ٢ رحمة الله للعالمين ج١ ص١٠٦، والحرار بكسر الحاء وفتح الراء جمع حرة وهي الأرض الصلبة السوداء، والعوائق جمع عائق وهي الفتاة التي بلغت ولم تتزوج.
[ ٩٣ ]
وعن البراء ﵁ قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ويقول أنس: ما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر المدينة٢.
وقد تجلى الترحيب العام برسول الله ﷺ من كافة قبائل المدينة، وكان كل منهم يتمنى أن ينزل الرسول ﷺ عنده، ويعده بالعدة، والعدد، والثروة، والطاعة، وكان الرسول ﷺ يعرفهم بأنه سيترك الناقة تبرك حيث يريد الله لها.
ويقول لهم: "دعوها فإنها مأمورة" ٣.
ولما علم الأنصار بذلك لم يتعرضوا للناقة، وكل منهم يدعو الله أن يكون بيته هو المكان المختار لنزول رسول الله ﷺ.
فسار رسول الله ﷺ راكبًا ناقته، حتى إذا أتت دار بني عدي بن النجار قامت إليه وجوههم تأمل في نزوله عندها، ثم إن ناقته ﷺ لما أتت موضع مسجده بركت وهو عليها وأخذه الذي كان يأخذه عند الوحي ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ثم تحلحلت، وأرزمت ووضعت جرانها، وجعل جبار بن صخر ينخسها رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة فلم تفعل، فنزل رسول الله ﷺ عنها وقال: هنا المنزل إن شاء الله وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ٤.
وجاء أبو أيوب فقال له رسول الله ﷺ: "أي بيوت أهلنا أقرب"؟.
فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي، وقد حططنا رحلك فيها
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب باب مقدم النبي ﷺ المدينة ج٦ ص٢٢٢. ٢ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٠ ص٢٩٠. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٧٩. ٤ سورة "المؤمنون": ٢٩.
[ ٩٤ ]
قال ﷺ: "فانطلق فهيئ لنا مقيلا". فذهب فهيأ لهما مقيلا١.
يروي الطبراني عن عبد الله بن الزبير أنه كان هناك عريش يرشونه، ويعمرونه ويتبردون فيه، حتى نزل فيه رسول الله ﷺ عن راحلته فأوى على الظل فنزل فيه فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله منزلي أقرب المنازل إليه أأنقل رحلك إليه.
قال ﷺ: "نعم". فذهب برحله إلى المنزل.
فأتاه آخر فقال: يا رسول الله انزل عليّ.
فقال ﷺ: "المرء مع رحله حيث كان".
فنزل رسول الله ﷺ في منزل أبي أيوب وقر قراره، واطمأنت داره، ونزل معه زيد بن حارثة٢.
يقول عبد الله بن سلام ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه فجئت لأنظر إليه، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" ٣.
ويقول أبو أيوب ﵁: لما نزل رسول الله ﷺ في بيتي، كان في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو.
فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل.
فقال ﷺ: "إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".
يقول أبو أيوب فكان رسول الله ﷺ في سفله، وكنا فوقه في المسكن، وكنا نحرص على تحقيق ما يرضيه ويريحه.
حدث مرة أن انكسرت جرة لنا فيها ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء، تخوفًا أن تقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب، باب الهجرة ج٦ ص٢١٦. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٧٩. ٣ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٣٩١، سنن الترمذي.
[ ٩٥ ]
ويقال إن أبا أيوب بعد هذه الحادثة ألح على رسول الله ﷺ حتى أسكنه العلو١.
وقد تكفل أهل المدينة بخدمة رسول الله ﷺ، وتجهيز طعامه وشرابه، وتحقيق كل ما يحتاج إليه، يهدونه لرسول الله ﷺ حبًا، وتقديرًا.
ولقد كان أبو أيوب يصنع له الطعام، ويقدمه، وينتظر فضله ليأكله.
يقول زيد بن ثابت: لقد كنا في بني مالك بن النجار، ما من ليلة إلا على باب رسول الله ﷺ من بيت أبي أيوب ثلاث، أو أربع جفان، وما كانت تخطئه.
جفنة سعد بن عبادة، وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة٢.
وكان الأنصار يتحرون الطعام الذي يحبه رسول الله ﷺ لإعداده له فبرغم أنه ﷺ لم يعب طعامًا، ولم يأمر بطعام، فإنهم لاحظوا إقبال رسول الله ﷺ على نوع من المرق يسمى "الطفيشل" وعلى الهريس ولذلك كانوا يكثرون له ﷺ منهما.
وكان ﷺ لا يأكل وحده، وإنما كان يطعم معه من أصحابه عددًا يتراوح بين خمسة إلى ستة عشر رجلا، حسب كمية الطعام المهدى إليه.
وهكذا عاشت المدينة حياة البهجة، والسرور، وقدرت الخير الذي وفد عليها وأقبلوا على الإسلام فهمًا وعلمًا، وتطبيقًا، وشعروا أن رسول الله ﷺ جاءهم بخيري الدنيا والآخرة، فسعدوا بهجرته، وأنزلوه فيهم منزلة الروح والعقل، وجعلوا حبه فوق حبهم لأنفسهم، فهو وهم معه برسالته يعيشون الإسلام نقيًا واضحًا.
وفي نفس الوقت تقوقع الكفار والمنافقون واليهود في المدينة، وأدركوا أن دولتهم قد انهارت، ولا سلطان لهم في المدينة بعد اليوم، وعبر بعضهم عما في قلبه من حقد وغضب، ومن ذلك أن رسول الله ﷺ رغب في أن ينزل على سيد الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول فقال له عبد الله: اذهب إلى الذين دعوك فانزل إليهم ورفض أن ينزله عنده كراهية له.
ولم يأبه النبي ﷺ بهذه المعارضة من أهل الشرك والنفاق فهي معارضة ضعيفة خائفة وأنى تلك المعارضة مما كان يراه في مكة!!
ولقد اعتذر الأنصار لرسول الله ﷺ عن موقف أبي، وبينوا له أن سببه ضياع المجد الذي كان يأمل فيه٣.
ومن الملاحظ أن رسول الله ﷺ لم يطلب من أحد أن ينزل عليه إلا ابن أبي، ولعلها حكمة قدرها الله تعالى لرسوله ليعلم طبائع الناس، وبخاصة هؤلاء الذين أضيروا بظهور الإسلام.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٠ ص٢٩٣. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٤٧. ٣ كان الأوس والخزرج يتفاوضون في جعل عبد الله بن أبي ملكًا عليهم، وكادوا أن يملكوه، فلما أسلموا وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة ضاعت المملكة على ابن أبي فعاش بحقده منافقًا.
[ ٩٦ ]