المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله ﷺ في المدينة المنورة
استقر رسول الله ﷺ في المدينة، وأحضر أبناءه، وزوجته سودة من مكة، وتمت هجرة المؤمنين جميعًا وصارت الأمة مهيأة لانطلاقة الإسلام الكبرى، وتعددت مهمات النبي ﷺ، فهو في بيته مع زوجاته، وأبنائه، زوجًا، وأبًا، وموجهًا، ومع سائر الناس داعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا.
وقد وفى رسول الله ﷺ بكل ما كلف به، حتى صار الأسوة الكاملة في كل مجال يحتاج له الناس، وفي هذا المبحث سأتناول الجانب الأسري لرسول الله ﷺ فهو ألصق بسيرته ﷺ مع رد الافتراءات الموجهة ضد رسول الله ﷺ في تعدد زوجاته وذلك فيما يلي:
أولا: التعريف بأمهات المؤمنين المتفق عليهن
أجمع المؤرخون وعلماء السيرة أن رسول الله ﷺ تزوج إحدى عشرة امرأة، مات عن تسعة منهن، واختلفوا فيما فوق هذا العدد.
وسأورد تعريفًا موجزًا بأمهات المؤمنين المتفق على أنهن زوجات رسول الله ﷺ ثم أجمل أسماء المختلف فيهن زواجا أو خطبة أو غير ذلك فيما يلي:
الزوجة الأولى: خديجة بنت خويلد ﵂
هي خديجة بنت خويلد القرشية من بني أسد بن عبد العزى، تلتقي مع رسول الله في جده "قصي" تزوجها النبي ﷺ قبل الإسلام مع أنها تكبره بخمسة عشر عامًا١.
وكانت خديجة ﵂ خير معاشر لرسول الله ﷺ، وكانت له نعم الزوجة يصور ذلك رسول الله ﷺ وهو يقول عنها: "ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس
_________________
(١) ١ انظر الكتاب الثاني من السلسلة ص٢٣٧.
[ ١٢٤ ]
ورزقني الله أولادها، وحرمني أولاد الناس" ١.
يقول ابن إسحاق: كانت وفاة خديجة، وأبي طالب، في عام واحد، وتوفيت وهي بنت خمس وستين سنة، ودفنت في الحجون، ونزل رسول الله ﷺ حفرتها، ولم تكن شرعت صلاة الجنازة بعد٢.
الزوجة الثانية: سودة بنت زمعة ﵂
تزوجها النبي ﷺ بعد موت خديجة ﵂، وكانت قبله زوجًا لابن عمها السكران بن عمرو، من السابقين إلى الإسلام الذين هاجروا إلى الحبشة الهجرة الثانية، جاء إلى مكة مع زوجته فتوفي بها ودفن بالحجون.
والحكمة في زواجه ﷺ منها صيانتها من الشرك؛ لأنها لو عادت لقومها واحتاجت لهم لأهانوها، وعذبوها، وفتنوها في دينها، ولذلك صانها النبي ﷺ بالزواج وكفلها.
توفيت سودة ﵂ في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁ ودفنت بالبقيع.
الزوجة الثالثة: عائشة بنت أبي بكر ﵂
عقد النبي ﷺ عليها في مكة قبل الهجرة وهي بنت ست سنوات، ودخل بها وهي بنت تسع سنوات، في شوال من السنة الأولى من الهجرة، وفي زواج النبي ﷺ من عائشة تكريم لأول أصحابه، وأعلاهم قدرًا، وأحبهم إلى قلبه ﷺ.
وكان لعائشة منزلة في قلب رسول الله ﷺ، يقول ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
تقول عائشة: كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم؟! أين أنا غدًا"؟، استبطاء ليوم عائشة: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري٤.
ولم ينس الرسول ﷺ لأبي بكر سبقه للإسلام، ونصره لدين الله تعالى، وإعانته
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٦١. ٢ صفوة الصفوة لابن الجوزي ج٢ ص٩. ٣ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج١٥ ص٢١١. ٤ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٧، ٢٠٨.
[ ١٢٥ ]
للمستضعفين، ولذا صاهره وتزوج ابنته عائشة رضي الله عنها١ بأمر الله تعالى.
توفيت ﵂ سنة سبع وخمسين من الهجرة، وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع وعمرها ثمان وستون سنة.
الزوجة الرابعة: حفصة بنت عمر ﵂
تزوج الرسول ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ في شهر شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة.
كانت حفصة زوجة لـ"خنيس بن حذاقة السهمي" الصحابي الجليل، الذي شهد بدرًا وأحدًا، وتوفي بالمدينة بعد أحد مباشرة بجرح أصابه فيها فلما انقضت عدتها فكر أبوها في تزويجها، يقول أبوها عمر ﵁: فلقيت عثمان بن عفان ﵁ فعرضت عليه حفصة، فقال: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر.
قال: سأنظر في أمري.
فلبثت ليالي ثم قال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليّ شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان.
فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه.
فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك؟
قلت: نعم.
قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أن النبي ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها لقبلتها٢.
نعم إن رسول الله ﷺ تزوج السيدة عائشة في السنة الأولى من الهجرة، فكان هذا قرة عين لصاحبه أبي بكر، وخير مكافأة له في الدنيا على صدقه وإخلاصه.
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري كتاب المناقب باب تزويج النبي عائشة ج٦ ص٢٠٢. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب حدثنا أبو اليمان ج٦ ص٢٦٢، وانظر الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٢٩، ١٣٠.
[ ١٢٦ ]
فلما توفي زوج السيدة حفصة بنت عمر ﵂ رأى رسول الله ﷺ أن يساوي بين عمر وبين أبي بكر في تشريفهما بمصاهرته، ولم يكن في الإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا، فتزوج حفصة في السنة الثالثة.
فما أجل سياسته ﷺ!!
وما عظم وفائه للأوفياء له.
ويقابل ذلك إكرامه لعثمان ﵁، ولعلي بن أبي طالب ﵁، بتزويجهما ببناته "رقية وأم كلثوم وفاطمة ﵅".
وهؤلاء الأربعة أعظم أصحابه في حياته، وخلفاؤه في أمته ونشر دعوته بعد وفاته ﷺ وهم أفضل الصحابة على الإطلاق١.
توفيت حفصة ﵂ سنة خمس وأربعين من الهجرة في خلافة معاوية وصلى عليها مروان بن الحكم ودفنت بالبقيع وعمرها ثلاث وستون سنة.
الزوجة الخامسة: زينب بنت خزيمة ﵂
تزوج الرسول ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث ﵂، وهي المعروفة في الجاهلية بأم المساكين، وكانت قبله زوجة للصحابي "عبيدة بن الحارث" الذي استشهد يوم بدر، وكان دخوله ﷺ بها في رمضان من السنة الرابعة من الهجرة، وقد توفيت بعد زواجها من رسول الله ﷺ بثمانية أشهر ودفنت بالبقيع، ولم يمت من أزواجه ﷺ في حياته إلا هي وخديجة ﵄ وكان عمر زينب يوم وفاتها ثلاثين عامًا٢.
الزوجة السادسة: أم سلمة ﵂
تزوج النبي ﷺ أم سلمة وهي هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية، تزوجت أولا ابن عمها "عبد الله بن عبد الأسد المخزومي" من السابقين إلى الإسلام، وهو ابن عمة رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاع، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد.
وكان زوجها يحبها قالت له مرة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهما من
_________________
(١) ١ منتقى النقول ص٤٥٠. ٢ الطبقات الكبرى ج٨ ص١١٦.
[ ١٢٧ ]
أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك أن لا تتزوج بعدي ولا أتزوج بعدك.
قال: أتعطيني؟
قالت: ما سألتك إلا لأعطيك.
قال: فإذا أنا مت فتزوجي، ثم قال: اللهم أرزق أم سلمة بعدي رجلا خيرًا مني لا يحزنها ولا يؤذيها، فلما مات أبو سلمة قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة فلبثت ما لبثت فجاء رسول الله ﷺ فخطبني ثم تزوجني١.
وكانت أم سلمة وضيئة جميلة، تقول السيدة عائشة عنها: لما تزوجها النبي ﷺ حزنت حزنًا شديدًا لما ذكر لي من جمالها فذكرت ذلك لحفصة فقالت: ما هي كما يقال فتلطفت حتى رأيتها فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي، فذكرت ذلك لحفصة فقالت: نعم ولكني كنت غيرى٢.
وأبلت أم سلمة بلاء حسنًا في الهجرة، وعزاها النبي ﷺ في زوجها وقال لها: "سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك، ويخلفك خيرًا".
فقالت: ومن يكون خيرًا من أبي سلمة؟
فلم ير صلوات الله وسلامه عليه عزاء ولا كافلا لها ولأولادها ترضاه غيره صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله فخطبها.
ولما خطبها لنفسه اعتذرت بأنها مسنة وأم أيتام وذات غيرة٣.
فأجابها ﷺ بأنه أكبر منها سنا، وبأن الغيرة يذهبها الله تعالى، وبأن الأيتام إلى الله ورسوله، وكان زواجه ﷺ بها في شهر شوال من السنة الرابعة من الهجرة٤.
وتوفيت أم سلمة سنة ثلاث وستين من الهجرة في خلافة يزيد بن معاوية ﵁ وصلى عليها والي المدينة مروان بن الحكم، وهي آخر من مات من زوجات النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٣١. ٢ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٣٢. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩٤. ٤ الطبقات الكبرى قسم النساء ج٨ ص٩١.
[ ١٢٨ ]
الزوجة السابعة: زينب بنت جحش ﵂
تزوجها النبي ﷺ بعد زواجه من أم سلمة، سنة ست من الهجرة، وكان اسمها "برة" فسماها النبي ﷺ بـ"زينب".
وقد أمر الله رسوله بتزوجها بعدما كان يخشى ﷺ قالة الناس؛ لأنه ﷺ هو الذي زوجها لمولاه زيد بن حارثة رغم معارضتها، وقد تعود الناس أن لا يتزوج السيد مطلقة مولاه، وحتى لا يتحدث الأفاكون عن طلاقها من زيد، وزواجها من رسول الله ﷺ لجمالها وحسنها.
تحكي زينب ﵂ قصتها فتقول:
خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ تستشيره.
فقال لها رسول الله ﷺ: "أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها"؟.
قالت: ومن هو يا رسول الله؟
قال: زيد بن حارثة.
فغضبت حمنة غضبًا شديدًا وقالت: يا رسول الله ﷺ تزوج بنت عمك مولاك؟ وجاءتني فأعلمتني فغضبت أشد من غضبها وقلت أشد من قولها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ١.
فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني أستغفر الله، وأطيع الله ورسوله، افعل ما رأيت يا رسول الله.
فزوجني زيدًا، وكنت أرنى عليه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ فعاتبني رسول الله ﷺ ثم عدت، فأخذته بلساني، فشكاني إلى رسول الله ﷺ واستأذنه في فراقي.
فقال رسول الله ﷺ: "أمسك عليك زوجك واتق الله".
فقال يا رسول الله: أنا أطلقها.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٣٦.
[ ١٢٩ ]
تقول زينب: فطلقني.
فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا ورسول الله ﷺ قد دخل عليّ، وأنا مكشوفة الشعر، فقلت: إنه أمر من السماء يا رسول الله ﷺ بلا خطبة ولا شهادة.
فقال ﷺ: " الله هو المزوج وجبريل هو الشاهد" ١.
وقد بين القرآن الكريم قصة زواج زينب فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ٢.
والمراد بالذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه مولى رسول الله ﷺ "زيد بن حارثة" ﵁، الذي زوجه النبي ﷺ من زينب، وكانت لذلك رافضة لما كانت تتمتع به من حسب، وجمال، ودين إلا أنها أطاعت رسول الله، وتزوجته.
وتمضي الأيام، ويفكر زيد في طلاق زينب لما رآه من استعلائها، ويأتي لرسول الله يستأذنه في ذلك، فينهاه لعلمه بأمر الله تعالى في هذا الشأن، إلا أن زيدًا طلق زينب، وأمر الله تعالى رسوله بالزواج من زينب.
والحكمة واضحة في الآية ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ .
ذلك أن العرب كانوا يعدون الابن بالتبني مثل الابن الأصلي، في تحريم زوجته إذا دخل بها على والده، ولذلك زوج الله نبيه بزينب، قطعًا لهذه العادة التي لا سند لها في شرع الله تعالى.
وقد قطع النبي ﷺ بزواجه من زينب عادة جاهلية أخرى، وهي استعلاء السادة عن الزواج بزوجات مواليهم كبرًا وفسادًا.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩٦. ٢ سورة الأحزاب: ٣٧.
[ ١٣٠ ]
كما بين للمؤمنين قضية عقدية هامة، وهي أنه لا خيار لمؤمن ولا مؤمنة بعد قضاء الله وحكمه كما تفيد الآيات.
وقد توفيت زينب سنة عشرين للهجرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ وقد صلى عليها عمر ﵁ ودفنت بالبقيع١.
الزوجة الثامنة: جويرية بنت الحارث ﵂
كانت جويرية من سبايا بني المصطلق، جاءت للنبي ﷺ تستعين به في كتابتها، فأدى ﷺ عنها كتابتها وتزوجها بعد ذلك، وكان قومها جميعًا سبايا عند الصحابة، وبعد أن تزوجها رسول الله ﷺ قال الصحابة: أصهار رسول الله ﷺ يسترقون فأرسلوا ما بأيديهم من السبايا وأعتقوهم فصاروا جميعًا أحرارًا.
تقول عائشة: فلا نعلم امرأة كانت أكثر بركة على قومها من جويرية.
وقد توفيت جويرية بالمدينة سنة ست وخمسين من الهجرة وصلى عليها والي المدينة مروان بن الحكم ودفنت بالبقيع وكان عمرها يوم وفاتها خمسًا وستين سنة٢.
الزواجة التاسعة: أم حبيبة ﵂
هي رملة بنت أبي سفيان من السابقات للإسلام، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، وهناك ارتد عبد الله عن الإسلام وتنصر وثبتت هي على الإسلام، فأرسل النبي ﷺ إلى النجاشي يخطبها له، فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة دينار.
تقول أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان: فارقت عبد الله بن جحش فما شعرت إلا بجارية يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثياب النجاشي تأتيني وتقول: إن الملك يقول لك إن رسول الله ﷺ كتب إليّ أن أزوجكه.
قالت: بشرك الله بخير.
قالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجلي وخواتيم
_________________
(١) ١ انظر بغية الرائد باب مناقب زينب ج٩ ص٣٩٨. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب مناقب صفية ج٩ ص٤٠٣.
[ ١٣١ ]
فضة سرورًا بما بشرتها، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب والمسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ﷺ أما بعد فإن رسول الله كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وقد أصدقتها أربع مائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم.
فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله رسول الله، ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال النجاشي: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا١.
وقد حضرت أم حبيبة ﵂ إلى زوجها رسول الله ﷺ سنة سبع من الهجرة في المدينة المنورة وتوفيت زمن أخيها معاوية سنة أربع وأربعين من الهجرة، ودفنت بالبقيع٢.
الزوجة العاشرة: صفية بنت حيي بن أخطب ﵂
تزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، سيد بني النضير، وكانت من أجمل نساء العالمين، ولم تبلغ سبع عشرة سنة.
وقد صارت له من سبي خيبر أمة فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمته، ويجعل عتقها صداقها فتصير زوجة حرة بذلك.
قال أنس: لما جمع "ﷺ" بني خيبر جاءه دحية الكلبي فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨، ٩٧، ٩٨. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب مناقب أم حبيبة ج٩ ص٤٠٢.
[ ١٣٢ ]
فقال ﷺ: "اذهب فخذ جارية فذهب وأخذ صفية بنت حيي".
فجاء رجل وقال: يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير، وإنها لا تصلح إلا لك نظرًا لما قد كانت فيه.
قال ﷺ: "ادعو دحية إليّ بها".
فجاء دحية بها، فلما جاءت نظر إليها ﷺ وقال لدحية الكلبي: "خذ جارية من السبي غيرها"، ثم أعتقها وتزوجها.
يقول الحجاج: إن رسول الله ﷺ خيرها بين أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته١.
ويقول ابن شهاب: كانت مما أفاء الله عليه ﷺ، فحجبها وأولم عليها بتمر وسويق وقسم لها٢.
وعن ابن عمر قال: كان بعيني صفية خضرة، فقال لها النبي ﷺ: "ما هذه الخضرة بعينيك"؟
قالت: قلت لزوجي إني رأيت فيما يرى النائم كأن قمرًا وقع في حجري، فلطمني وقال: أتريدين ملك يثرب؟ أتريدين ملك يثرب؟
قالت: وما كان أبغض إليّ من رسول الله ﷺ قتل أبي، وزوجي.
فما زال يعتذر إليّ ويقول: "يا صفية إن أباك ألب عليَّ العرب، وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي" ٣.
وعن وحشي بن حرب: أن النبي ﷺ لما أفاء الله عليه صفية، قال لأصحابه: "ما تقولون في هذه الجارية"؟
قالوا نقول: إنك أولى الناس بها وأحقهم.
قال ﷺ: "فإني أعتقها وأستنكحها، وجعلت عتقها مهرها".
فقال رجل: يا رسول الله الوليمة.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ك النكاح بباب من جعل عتق الجارية صداقها ج٨ ص١٣٥. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٤٠٤. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب مناقب صفية ج٩ ص٤٠٤.
[ ١٣٣ ]
قال ﷺ: "الوليمة حق، والثانية معروف، والثالثة، فخر وحرج" ١.
وعن صفية قالت: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وما من أحد أكره إليّ منه فقال: "إن قومك صنعوا كذا وكذا". فما قمت من مقعدي ومن الناس أحد أحب إليّ منه صلى الله عليه وسلم٢.
وفي رواية عن السيدة صفية ﵂ قالت: ما رأيت قط أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ، لقد رأيته ركب بي من خيبر على عجز ناقته ليلا، فجعلت أنعس فيضرب رأسي مؤخرة الرحل، فيمس بيده ويقول: "يا هذه مهلا يا بنت حيي".
حتى إذا جاء الصهباء قال: "أما إني أعتذر إليك يا صفية مما صنعت بقومك إنهم قالوا لي كذا وكذا" ٣.
وكانت صفية حليمة، عاقلة، فاضلة، ماتت سنة خمسين في رمضان، وقيل سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية ودفنت بالبقيع.
الزوجة الحادية عشرة: ميمونة بنت الحارث ﵂
ثم تزوج ﷺ بعد صفية بنت حيي: ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوجه إياها العباس عمه، وكانت خالة ابن عباس ﵁.
وكانت في الجاهلية عند "مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي" ففارقها وخلف عليها "أبا رهم بن عبد العزى" فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة سبع بمكة في عمرة القضاء بعدما أحل.
وبنى بها بسرف حيث تزوج بها، وقد ماتت سنة إحدى وستين في خلافة يزيد بن معاوية، وقد بلغت ثمانين سنة، وهي آخر من تزوج صلى الله عليه وسلم٤.
وهي التي وهبت نفسها للنبي، يقول السهيلي: لما جاءها الخاطب، وكانت على بعير رمت بنفسها من على البعير، وقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٤٠٦. ٢ المرجع السابق ج٩ ص٤٠٦. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٤٠٤-٤٠٦. ٤ الطبقات الكبرى ج٨ ص١٣٢ إلى ١٣٤. ٥ الروض الأنف ج٤ ص٧٨ وفيها نزل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ .
[ ١٣٤ ]
أجمع المؤرخون، وكتَّاب السيرة على تزوج النبي ﷺ بأحدى عشرة امرأة، هن أمهات المؤمنين المذكورات:
ست منهن قرشيات وهن: خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة ﵅.
وأربع عربيات وهن: زينب بنت جحش من بني خزيمة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت خزيمة من بني صعصعة، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق.
ومن غير العربيات، صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير.
وقد توفي ﷺ عن تسع لوفاة خديجة وزينب بنت خزيمة في حياته وكان يقسم لثمان، بعد أن تنازلت سودة عن ليلتها لعائشة ﵅، وأول أزواجه لحوقًا به زينب بنت جحش، وآخرهن وفاة أم سلمة ﵅ جميعًا.
وكان للنبي ﷺ سريتان اختلفت الروايات حول زواج الرسول بهما وهما:
الأولى: مارية بنت شمعون القبطية المصرية، أهداها له صاحب الإسكندرية واسمه جريج بن مينا، وكانت جميلة، بيضاء، أعجب بها الرسول ﷺ، وأحبها وحظيت عنده، ولا سيما بعدما وضعت إبراهيم ولده.
ولما ولدت له إبراهيم غار نساء رسول الله ﷺ، واشتدت عليهن الغيرة حين صارت بذلك أم ولد حرة فقال رسول الله ﷺ: "أعتقها ولدها".
وماتت في المحرم سنة خمس عشرة فصلى عليها عمر ودفنها بالبقيع رحمها الله١.
الثانية: ريحانة بنت زيد القرظية نسبت لبني قريظة لتزوجها واحدًا منهم وليست منهم لأنها عربية وكانت في سبي بني قريظة، وقد سباها النبي ﷺ في شوال سنة أربع، وتوفيت سنة عشر، وصلى عليها عمر بن الخطاب، ودفنها بالبقيع٢ وقيل بل أعتقها النبي ﷺ وفرض عليها الحجاب وتزوجها.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص١١٢. ٢ انظر الطبقات الكبرى ج٨ ص١٢٩ إلى ١٣٢.
[ ١٣٥ ]