هاجر المسلمون إلى المدينة وبدأ أهل مكة يشعرون أن تجمع المسلمين في المدينة مع أهلها خطر عليهم، وبخاصة إذا لحق محمد ﷺ بهم فأخذوا يتآمرون للقضاء على رسول الله ﷺ وهو بينهم قبل أن يتركهم إلى المدينة ويتعاظم شأنه.
يقول ابن إسحاق: ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، وعرفوا أنهم قد نزلوا دارًا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ فاجتمعوا له في دار الندوة، يتشاورون فيما يصنعون في أمره ﷺ حين خافوه، وكان ذلك في شهر صفر من العام الثالث عشر للنبوة.
فلما غدوا في اليوم الذي اتعدوا له اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل نجدي يتسم بالهدوء والوقار وعليه بتله١ فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفًا على بابها، قالوا: من الشيخ؟
قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا.
قالوا: أجل، فأدخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش.
_________________
(١) ١ في "بت" والبتلة والبت: الكساء الغليظ.
[ ٦٦ ]
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا مع من اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا.
قال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرًا، والنابغة، ومن مضى منهم، حتى يصيبه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره.
فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا، وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه، حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم في بلادكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم، دبروا فيه رأيًا غير هذا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد.
قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نسبيًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم.
فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا أرى غيره،
[ ٦٧ ]
فتفرق القوم على ذلك، وهم مجمعون على تنفيذه١.
وقد وقع اختيارهم على أحد عشر رجلا من أكابر قريش وهم:
١- أبو جهل بن هشام.
٢- الحكم بن أبي العاص.
٣- عقبة بن أبي معيط.
٤- النضر بن الحارث.
٥- أمية بن خلف.
٦- زمعة بن الأسود.
٧- طعيمة بن عدي.
٨- أبو لهب.
٩- أبي بن خلف.
١٠- نبيه بن الحجاج.
١١- منبه بن الحجاج.
اجتمع هؤلاء الرجال المختارون وفيهم أبو جهل بن هشام عند بيت رسول الله ﷺ لتنفيذ المؤامرة المتفق عليها، فقال لهم أبو جهل وهم على بابه ﷺ استهزاء وسخرية: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم؛ ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.
استمرت هذه الجماعة في حصارها لرسول الله ﷺ لتقتله فور خروجه إليهم، لكنه ﷺ خرج عليهم وأخذ حفنة من تراب في يده وألقاها على رءوسهم وهم في عماية وغشاوة، ثم قال ﷺ: "نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم يا أبا جهل"، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلم يروه ﷺ، فجعل ينثر التراب على رءوسهم ويتلو هؤلاء الآيات من سورة يس، وفيها يقول الله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ،
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٨٠-٤١٣.
[ ٦٨ ]
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ١، فلما فرغ رسول الله ﷺ من قراءة هذه الآيات، لم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب٢.
_________________
(١) ١ سورة يس: ١-٩. ٢ سيرة ابن هشام ج١ ص٤٨٠.
[ ٦٩ ]