عمرو بن وهب الجمحي من تجار مكة، وقادتها المعدودين، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ قبل الهجرة، اشترك مع ابنه وهب مع المشركين في بدر، ووقع ابنه وهب في الأسر فشعر بالذل لأسر ابنه، وقتل أصحابه.
جلس عمير مع صاحبه صفوان بن أمية في حجر إسماعيل، وتذاكرا بدرًا، فقال صفوان: والله ما في العيش بعدهم خير.
فرد عليه عمير: صدقت، أما والله لولا دين علي ليس له قضاء عندي، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علة، ابني أسير عندهم.
فقال له صفوان: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما عاشوا، لا يسعني شيء، وأعجز عنهم.
[ ٣٠٢ ]
فقال له عمير: فاكتم عني شأني وشأنك.
قال صفوان: أفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له، وسم، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب ﵁وهو في نفر من المسلمين يتحدثون بما أكرمهم الله به يوم بدر- فقال عمر: هذا عدو الله عمير ما جاء إلا لشر.
ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوحشًا سيفه قال ﷺ: فأدخله علي.
فلما أقبل عمير لببه عمر بحمالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار، ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه.
قال ﷺ أرسله يا عمر أدن يا عمير، فدنا وقال: أنعموا صباحًا.
فقال النبي ﷺ: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام، تحية أهل الجنة". ثم قال ﷺ: "ما جاء بك يا عمير"؟.
قال عمير: جئت لهذا الأسير الذي في أيديك فأحسنوا فيه.
قال ﷺ: "فما بال السيف في عنقك"؟.
قال عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟
قال ﷺ: "اصدقني ما الذي جئت له"؟.
قال عمير: ما جئت إلا لذلك.
قال ﷺ: "بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت لولا دين علي، وعيال عندي، لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل صفوان بدينك، وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك".
قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق
[ ٣٠٣ ]
ثم تشهد شهادة الحق.
فقال رسول الله ﷺ: "فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره"، ففعلوا ثم قال عمير: يا رسول الله إني كنت جاهدًا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله، وإلى الإسلام لعل الله أن يهديهم! وإلا آذيتهم في دينهم، كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.
فأذن له رسول الله ﷺ، فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، فأسلم على يديه أناس كثير، وسبحان مقلب القلوب، ومغير الأحوال، وبيده الأمر كله١.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٣٠٩.
[ ٣٠٤ ]