سادسًا: المسلمون في إطار انتصار بدر
تحقق النصر للمسلمين في بدر، وقد استشهد منهم أربعة عشر شهيدًا، وغنموا ما كان مع القرشيين من عتاد، وأموال، وقد أقام النبي ﷺ والمسلمون بعد المعركة في بدر ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أخذوا في الرجوع إلى المدينة بعد أن انتهوا من دفن الشهداء ووضع قتلى المشركين في القليب.
وقد عاش المسلمون بعد النصر الحقائق التالية:
١- الاختلاف في توزيع الغنائم:
عندما أتم النبي ﷺ تسوية الصفوف قال للمجاهدين: "من قتل قتيلا فله سلبه، من أسر أسيرًا فهو له"، فلما انهزم المشركون تفرق المجاهدون إلى أعمال متعددة فمنهم من وقف عند خيمة النبي ﷺ يحرسه، ومنهم من أغار على الأعداء ليهزمهم، ويقتلهم، ومنهم من اتجه للأسر والغنيمة.
وقد غنم المسلمون مائة وخمسين بعيرًا، وعشرة أفراس، وأداما كثيرًا حمله القرشيون معهم للتجارة بعد النصر الذي أملوا فيه.
وقد اختلف المسلمون في الغنائم؛ لأن الذين كانوا حول النبي ﷺ لم يأخذوا شيئًا، وقالوا: ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الأجر، ولا جبنا عن لقاء العدو، ولكن
[ ٢٨٦ ]
خفنا على رسول الله ﷺ من أن يميل عليه خيل المشركين، ورجالهم، وقد أقام عند رسول الله ﷺ وجوه المهاجرين والأنصار ولم يغنم أحد منهم شيئًا ومتى أعطى الشباب لا يبقى للشيوخ شيء، وبخاصة أن الغنيمة قليلة، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وهكذا لم يترك الله أمر الغنائم لعقولهم واجتهادهم، وإنما جعلها لحكم الله ورسوله جاء في تفسير ابن كثير عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون، ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه، ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض.
قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب.
وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو، وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به٢ فأمر رسول الله ﷺ برد الغنائم حتى يقضي الله فيها، فرد أصحابه ﷺ الغنائم التي جمعوها من أعدائهم، أما ما أخذ بغير قتال فقسمه ﷺ بينهم.
وجمعت الغنائم، واستعمل عليها رسول الله ﷺ عبد الله بن كعب بن عمرو المازني وسار بها حتى وصل إلى "سير" وهناك قسمها على المجاهدين، وقيل بل استعمل عليها خباب بن الأرت، وكان فيها إبل، ومتاع، وأنطاع، وثياب٣.
وأنزل الله تعالى قوله في شأن الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ١. ٢ تفسير ابن كثير ج٢ ص٢٨٣. ٣ إمتاع الأسماع ج١ ص٩٣.
[ ٢٨٧ ]
أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
وقد جعل النبي ﷺ الغنيمة أسهمًا، بعد أن أخذ الخمس منها، فأعطى للراجل سهمًا، وللفارس سهمين، وضرب لثمانية من الصحابة ﵁، تخلفوا عن الغزوة لعذر ألم بهم وهم:
من المهاجرين:
١- عثمان بن عفان، خلفه رسول الله ﷺ على ابنته رقية، ليعودها في مرضها، وقد ماتت يوم قدوم زيد بن حارثة بنبأ النصر، وعند عودة النبي ﷺ إلى المدينة كانوا عائدين من دفنها في البقيع.
٢- طلحة بن عبيد الله ﵁.
٣- وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، بعثه رسول الله ﷺ مع طلحة بن عبيد الله يتحسسان العير تلقاء "الحوراء" فلم يلحقا بالجيش.
ومن الأنصار:
٤- أبو لبابة بن عبد الله ﵁، خلفه على المدينة.
٥- عاصم بن عدي ﵁، خلفه رسول الله ﷺ على قباء، وأهل العالية.
٦- الحارث بن حاطب ﵁، أمره ﷺ بأمر في بني عمرو بن عوف.
٧- خوات بن جبير ﵁، كسر بالروحاء.
٨- الحارث بن الصمة ﵁، كسر بالروحاء٢.
وضرب النبي ﷺ كذلك لمن استشهد ببدر، وسلم غنائمهم لأبنائهم، واصطفى النبي ﷺ لنفسه من الغنيمة جمل أبي جهل، فجعل يغزو ﷺ عليه حتى ساقه هديًا في الحديبية.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٤١. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٩٤.
[ ٢٨٨ ]