وهب الله لنبيه ﷺ عددًا من الأبناء والبنات كلهم من خديجة ﵂ ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.
وقد مات أبناء النبي ﷺ في حياته، ما عدا فاطمة ﵂ فإنها توفيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر على الصحيح، وأبناؤه ﷺ هم على ترتيب ميلادهم:
الأول: القاسم ﵁
وهو أول أبنائه مولدًا، وبه كان يكنى رسول الله ﷺ على عادة العرب، وقد ولد القاسم، ومات بمكة قبل البعثة، وعاش سبعة عشر شهرًا فقط.
الثانية: زينب ﵂
وهي المولد الثاني لرسول الله ﷺ، وأكبر بناته، ولدت قبل النبوة في مكة، وتزوجت ابن خالتها أبا العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس فهو ابن أخت خديجة ﵂، وأمه هالة بنت خويلد، وكانت خديجة تحبه لما كان يتميز به، فهو من رجال مكة المعدودين، مالا وأمانة وتجارة، وقد رغبت خديجة ﵂ في تزويجه زينب، فسألت رسول الله ﷺ أن يزوجها له وكان رسول الله ﷺ لا يخالف طلبًا لخديجة وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي فزوجه، وكانت خديجة تعد أبا العاص بمنزلة ولدها، فلما أكرم الله رسوله ﷺ بنبوته آمنت به خديجة وبناته، فصدقته وشهدن أن ما جاء به الحق، ودن بدينه، وثبت أبو العاص على شركه.
وكان رسول الله ﷺ قد زوج عتبة، وعتيبة ابنا أبي لهب رقية وأم كلثوم فلما بادى قريشًا بأمر الله تعالى وبالعداوة، قالوا للأزواج: إنكم قد فرغتم محمد من همه، فردوا عليه بناته، فاشغلوه بهن، فأطاعهم أبناء أبي لهب، فلما مشوا إلى أبي العاص وقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت، قال لهم: لا والله لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش، وكان رسول الله ﷺ يثني عليه في مصاهرته خيرًا.
[ ١٦٩ ]
وكان رسول الله ﷺ لا يحل بمكة ولا يحرم، وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله ﷺ حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع، لبقائه على شركه، فقال رسول الله لزينب إنه لا يحل لك فأقامت معه على إسلامها، وهو على شركه حتى هاجر رسول الله ﷺ وتركها معه، وكانت قد رزقت منه بولد سمته عليًا، وبنتًا أسمتها أمامة.
وقد تأخر إسلام زوجها العاص، ووقع أسيرًا في يد المسلمين يوم بدر؛ لأنه كان في صف الكفار يومها، وفدت زينب زوجها بقلادة ذهبية، أهدتها لها أمها خديجة ﵂، يوم زواجها، فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة تذكر خديجة وابنته زينب ﵂، فرق قلبه ودمعت عيناه، فعفا عن أبي العاص، ومن عليه بالحرية، وأرسله إلى مكة، ومعه قلادة خديجة ﵂، واشترط عليه أن يسمح لزينب بالهجرة على أن يلحق بها إذا أسلم.
يقول ابن إسحاق: كان في الأسرى يوم بدر أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله ﷺ وزوج ابنته زينب، وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة، وهو ابن أخت خديجة، وكانت تعده بمنزلة ولدها، فسألت خديجة رسول الله ﷺ أن يزوجه زينب وذلك قبل الإسلام، وكان رسول الله لا يخالفها فلما أكرم الله نبيه ﷺ بالنبوة، وآمنت به خديجة ﵂ ودخلت بناته في الإسلام وصدقنه وشهدن أن ما جاء به هو الحق، ودن بدينه، وثبت أبو العاص على شركه، فمشت قريش إلى أبي العاص بن الربيع فقالوا: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت.
فقال: لا -هاء الله- إذا لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش فكان رسول الله ﷺ يثني على صهره خيرًا.
وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله ﷺ وبين أبي العاص بن الربيع إلا أن رسول الله ﷺ لم يفرق بينهما بالطلاق، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه، حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وهي مقيمة معه بمكة، فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص بن الربيع، فأصيب في الأسارى يوم بدر، فلما بعث أهل مكة في فداء الأسرى، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص، وبعثت فيه
[ ١٧٠ ]
بقلادة لها كانت أمها خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص حين تزوجها، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا".
قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
قال: وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه العهد مشافهة، ووعده أبو العاص سرًا أن يخلي سبيل زينب إليه كما شرط عليه في إطلاقه فلما خرج أبو العاص إلى مكة، وخلى سبيله بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار وقال لهما: "كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحبانها فتأتياني بها". فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو نحوه فلما قدم أبو العاص مكة أمر زينب باللحوق بأبيها، فخرجت جهرة فتحدث بذلك رجال من قريش وكبر عليهم أن تخرج زينب علانية فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى، فروعها بالرمح وهي في هودجها، وكانت حاملا فلما ريعت طرحت ذا بطنها، وبرك حموها "أخو زوجها" كنانة، ونثر كنانته، ثم قال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمًا، وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال: أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك على ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك من ثأر، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرًا، وألحقها بأبيها، ففعل، فأقامت ليالي، حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولما أسلم أبو العاص وهاجر إلى رسول الله ﷺ في المدينة رد زينب إليه بنكاحها الأول
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٦٥٤.
[ ١٧١ ]
وكان إسلام أبي العاص وهجرته ﵁ سنة ست، يروى ابن سعد ذلك فيقول: خرج أبو العاص بن الربيع في عير إلى الشام فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب فلقوا العير بناحية العيص في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة فأخذوها وما فيها من الأثقال وأسروا ناسًا ممن كان في العير منهم أبو العاص بن الربيع، فلم يعد أن جاء المدينة فدخل على زينب بنت رسول الله ﷺ بسحر وهي امرأته فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله الفجر قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع.
فقال رسول الله ﷺ: "أيها الناس هل سمعتم ما سمعت"؟.
قالوا: نعم.
قال: "فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجارت".
فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه ففعل، وأمرها أن لا يقربها فإنها لا تحل له ما دام مشركا، ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه، ثم أسلم ورجع إلى النبي ﷺ مسلمًا مهاجرًا في المحرم سنة سبع من الهجرة فرد عليه رسول الله ﷺ زينب بذلك النكاح الأول١.
وقد ظلت زينب ﵂ وجعة بسبب سقطها حتى لقيت ربها سنة ثمان من الهجرة، وقد صلى عليها عمر بن الخطاب ﵁، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها٢.
الثالثة: رقية ﵂
هي الثالثة في ترتيب أولاد النبي ﷺ، خطبها ابن عمها "عتبة بن أبي لهب" إلا أنه تخلى عنها، ولم يدخل بها، وطلقها بعد بعثة رسول الله ﷺ، نزولا على رغبة أبيه أبي لهب، وأمه أم جميل، فتزوجها عثمان بن عفان ﵁، وولدت له ولدًا أسموه "عبد الله" مات صغيرًا.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص٣٣. ٢ سيرة النبي ج١ ص٦٥٤، ٦٥٥.
[ ١٧٢ ]
وهاجرت ﵂ مع زوجها عثمان ﵁ إلى الحبشة الهجرة الأولى، وعادت معه إلى مكة ثم هاجرت إلى المدينة المنورة بعد هجرة رسول الله إليها ومرضت بعد الهجرة واستمرت مريضة حتى وافاها أجلها، عند رجوع المسلمين من غزوة بدر في رمضان سنة اثنين من الهجرة، وبسبب ذلك لم يشترك عثمان ﵁ في بدر، وبقي مع زوجته رقية يمرضها، ويرعاها بأمر رسول الله ﷺ، وقد ضرب رسول الله ﷺ له سهمه، وأجره.
وعند عودة النبي ﷺ إلى المدينة بعد "بدر" كان عثمان ﵁، راجعًا من البقيع بعد أن واراها مثواها الأخير رضي الله عنها١.
الرابع: أم كلثوم ﵂
خطبها ابن عمها "عتيبة بن أبي لهب" إلا أنه تخلى عنها، وتركها بعد مبعث النبي ﷺ إرضاء لأبيه وأمه، هاجرت إلى المدينة مع أختها فاطمة ﵂، وعاشت مع أبيها في بيته، وبعد وفاة رقية تزوجها عثمان بن عفان ﵁ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة ولذلك عرف عثمان بن عفان بـ"ذي النورين" ولم تنجب منه، واستمرت في كنفه حتى ماتت ﵂ سنة تسع من الهجرة، ودفنت بالبقيع٢.
الخامسة: فاطمة ﵂
هي أصغر بناته ﷺ، وكان لها دور بارز في الهجرة النبوية، تزوجها علي بن أبي طالب بأمر من الله تعالى، وولدت له: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم، وزينب، وهي من النساء الكاملات اللاتي أحبهم رسول الله ﷺ.
وكانت خديجة ﵂ إذا ولدت ولدًا دفعته إلى من يرضعه، فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غيرها، فحظيت بعناية أبيها وأمها منذ صغرها٣.
أمر الله رسول الله ﷺ أن يزوج ابنته فاطمة ﵂ ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁، ولذلك توقف ﷺ عن تزويجها لغيره من كبار الصحابة، بعدما ذكروها لأنفسهم، يقول أنس بن مالك ﵁: إن عمر بن الخطاب ﵁، أتى أبا بكر ﵁ فقال:
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب ما جاء في رقية ج٩ ص٣٤٧. ٢ المرجع السابق باب ما جاء في أم كلثوم ج٩ ص٣٤٨. ٣ الطبقات الكبرى ج٨ ص٢١.
[ ١٧٣ ]
يا أبا بكر ما يمنعك أن تتزوج فاطمة بنت رسول الله ﷺ؟
قال أبو بكر ﵁: لا يزوجني.
قال عمر: إذا لم يزوجك، فمن يزوج، وإنك من أكرم الناس عليه، وأقدمهم في الإسلام. فانطلق أبو بكر ﵁ إلى بيت عائشة ﵂.
فقال: يا عائشة إذا رأيت من رسول الله ﷺ طيب نفس، وإقبالا عليك، فاذكري له أني ذكرت فاطمة، فلعل الله -﷿- أن ييسرها لي.
فجاء رسول الله ﷺ، فرأت عائشة منه طيب نفس وإقبالا، فقالت: يا رسول الله إن أبا بكر ذكر فاطمة، وأمرني أن أذكرها.
قال ﷺ: حتى ينزل القضاء.
فرجع إليها أبو بكر فقالت: يا أبتاه، وددت أني لم أذكر الذي ذكرت.
فلقي أبو بكر عمر فذكر أبو بكر لعمر ما أخبرته عائشة.
فانطلق عمر إلى حفصة، فقال: يا حفصة إذا رأيت من رسول الله ﷺ إقبالا -يعني عليك- فاذكريني له واذكري فاطمة لعل الله أن ييسرها لي.
فلقي رسول الله ﷺ حفصة، فرأت طيب نفس ورأت منه إقبالا، فذكرت له فاطمة ﵂.
فقال ﷺ: حتى ينزل القضاء.
فانطلق عمر ﵁ إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ما يمنعك من فاطمة؟
فقال علي ﵁: أخشى أن لا يزوجني.
قال عمر ﵁: فإن لم يزوجك فمن يزوج وأنت أقرب خلق الله إليه؟
فانطلق علي إلى رسول الله ﷺ مباشرة ولم يكن له مثل عائشة، ولا مثل حفصة، فلقي رسول الله ﷺ، فقال: إني أريد أن أتزوج فاطمة.
قال ﷺ: "فافعل".
قال علي: ما عندي إلا درعي الخطمية.
قال ﷺ: "فاجمع ما قدرت عليه وأتني به"، فأتى علي باثنتي عشرة أوقية، أربع مئة وثمانين درهمًا فأتى بها رسول الله ﷺ فزوجه فاطمة ﵂، فقبض ثلاث قبضات
[ ١٧٤ ]
فدفعها إلى أم أيمن وقال لها: "اجعلي منها قبضة في الطيب". أحسبه قال: "والباقي فيما يصلح المرأة من المتاع"، فلما فرغت أم أيمن من الجهاز، وأدخلتهم بيتًا قال ﷺ: "يا علي لا تحدثن إلى أهلك شيئًا حتى آتيك". فأتاهم رسول الله ﷺ فإذا فاطمة متقنعة، وعلي قاعد، وأم أيمن في البيت، فقال: "يا أم أيمن ائتيني بقدح من ماء".
فأتته بقعب فيه ماء، فشرب منه، ثم مج فيه، ثم ناوله فاطمة، فشربت، وأخذ منه فضرب جبينها، وبين كتفيها وصدرها.
ثم دفعه إلى علي فقال: "يا علي اشرب". ثم أخذ منه فضرب به جبينه وبين كتفيه ثم قال: "أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرم تطهيرًا". فخرج رسول الله ﷺ وأم أيمن وقال: "يا علي أهلك" ١.
وكان لفاطمة منزلة خاصة عند أبيها ﷺ.
يروي الترمذي بسنده عن بريدة أنه قال: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة ومن الرجال علي٢ يقول إبراهيم بن سعيد يقصد من أهل بيته.
وعن عائشة ﵂: وكانت فاطمة ﵂ إذا دخلت على رسول الله ﷺ قام إليها، فقبلها، وأجلسها في مجلسه وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت له فقبلته، وأجلسته في مجلسها٣.
ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فأتت فاطمة أباها، غاضبة تقول له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل٤.
فجمع رسول الله ﷺ الناس ثم خطبهم. وقال: "إن فاطمة مني، وأني أتخوف أن تفتن في دينها"، ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس، هو زوج زينب، فأثنى عليه في
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص١٩، ٢٠. ٢ سنن الترمذي ج٥ ص٦٩٨. ٣ تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، باب ما جاء في فضل فاطمة ج١٠ ص٢٥٣ وهو حديث حسن غريب. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي. فضائل فاطمة ج١٦ ص٤.
[ ١٧٥ ]
مصاهرته إياه١ وقال عنه: "حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي وإني لست أحرم حلالا ولا أحلل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدًا" ٢.
وقال ﷺ: "إن فاطمة بنت محمد مضغة مني، وإنما أكره أن يفتنوها" ٣.
وقال ﷺ: "ابنتي مضغة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها" ٤.
فترك علي ﵁ ما شرع فيه٥.
وقد بشرها رسول الله ﷺ أنها سيدة نساء العالمين، كما جاء في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي، كأن مشيها مشية رسول الله ﷺ فقال ﷺ: "مرحبًا يا بنتي". ثم أجلسها عن يمينه، ثم أسر إليها حديثًا، فبكت، ثم أسر إليها حديثًا، فضحكت.
تقول عائشة: ما رأيت كاليوم أقرب فرحًا من حزن؟ فسألتها عما قال ﷺ؟
فقالت: ما كانت لأفشي على رسول الله ﷺ سره.
تقول عائشة: فلما قبض ﷺ سألتها.
فأخبرتني أنه ﷺ قال: "إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، وما أراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك"، فبكيت لذلك.
ثم إنه ﷺ سارني فقال: "ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين"؟. فضحكت لذلك٦.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي. فضائل فاطمة ج١٦ ص٤. ٢ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان باب تفضيل فاطمة ج٦ ص٢٧٩. ٣ صحيح مسلم فضائل فاطمة ج١٦ ص٣. ٤ صحيح مسلم فضائل فاطمة ج١٦ ص٤. ٥ ترجع معارضة النبي ﷺ لزواج علي ﵁ على ابنته فاطمة لتأذيه من ذلك، والمسلم مأمور بعدم إيذاء النبي ﷺ وأيضًا فإن رسول الله خاف على فاطمة من الفتنة بسبب الغيرة، ويقال: إن النبي ﷺ قد اشترط على علي حين زواجه بعدم الزواج على فاطمة، ولعل في إعلان النبي ﷺ معارضته على المنبر ليتعلم الناس كيفية التعامل مع رسول الله ﷺ وعدم فعل شيء يؤذيه ويدل قوله ﷺ: "وإني لست أحرم حلالا أو أحل حرامًا أن عليًا لو تزوج لجاز". ٦ صحيح مسلم بشرح النووي. فضائل فاطمة ج١٦ ص٥.
[ ١٧٦ ]
وعن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة العصر، فلما كان في الركعة الرابعة أقبل الحسن والحسين، حتى ركبا على ظهر رسول الله ﷺ، فلما سلم وضعهما بين يديه وأقبل الحسن فحمل رسول الله الحسن على عاتقه الأيمن والحسين على عاتقه الأيسر ثم قال: "أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدًا وجدة؟
ألا أخبركم بخير الناس عمًا وعمة؟
ألا أخبركم بخير الناس خالا وخالة؟
ألا أخبركم بخير الناس أبًا وأمًا؟
هما الحسن والحسين، جدهما رسول الله ﷺ، وجدتهما خديجة بنت خويلد، وأمهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وأبوهما علي بن أبي طالب ﵁، وخالهما القاسم بن رسول الله ﷺ وخالاتهما زينب، ورقية، وأم كلثوم، بنات رسول الله ﷺ.
جدهما في الجنة، وأبوهما في الجنة، وأمهما في الجنة، وعمهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، وخالاتهما في الجنة، وهما في الجنة، ومن أحبهما في الجنة" ١.
وقد عاشت فاطمة ﵁ في كنف زوجها علي بن أبي طالب ﵁ حتى لقيت ربها بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمسة أشهر، ودفنت بالبقيع.
السادس: عبد الله ﵁
ولد عبد الله في مكة بعد البعثة، وهو أول أبنائه الذكور الذين ولدوا بعد ظهور الإسلام، سماه النبي ﷺ باسم أبيه عبد الله، وكناه بالطاهر، والطيب، والمطهر، والمطيب، وقد سمي، وكني بذلك لأنه ولد بعد النبوة.
ونظرًا لكثرة أسماء عبد الله، وجدنا من يقول: إن هذه الأسماء لأولاد آخرين لرسول الله ﷺ من خديجة ﵂، حتى تصور أحدهم أن خديجة ﵂ ولدت مرتين توأمًا ففي المرة الأولى ولدت الطيب، والمطيب، وفي المرة الثانية ولدت الطاهر، والمطهر٢.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٢٩٥. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب أولاد النبي ﷺ ج٩ ص٤٣٩.
[ ١٧٧ ]
إلا أن هذه أقوال غير مشهورة، ولم يجمع عليها، والمجمع عليه أنه ﷺ أنجب عبد الله بعد البعثة وقد مات صغيرًا في مكة بعد أخيه القاسم بوقت قصير، ودفن بالحجون.
السابع: إبراهيم ﵁
ولد إبراهيم بالمدينة في شهر ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وهو الوحيد من غير خديجة، فأمه مارية القبطية، وأخواله مصريون.
وقد عق عنه النبي ﷺ في يوم سبوعه، وتوفي وعمره ستة عشر شهرًا في ربيع١ الأول سنة عشر، ودفن بالبقيع بعد أن صلى عليه رسول الله ﷺ.
وقد سر النبي ﷺ بولادة إبراهيم، وسماه باسم جده إبراهيم ﵇، ودفعه إلى ظئر ترضعه، وحزن لموته كذلك٢. يروي الإمام مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم". ثم دفعه إلى أم سيف، امرأة قين يقال له أبو سيف، فانطلق يأتيه، واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف، وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف، أمسك جاء رسول الله ﷺ فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال: ما شاء الله أن يقول.
يقول أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون" ٣.
وقد حدث أن انكسفت الشمس يوم موت إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم.
فخطب النبي ﷺ وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ﷿ لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته" ٤.
وقد ظهر حب رسول الله ﷺ لأولاده، وحسن رعايته لهم، ولذلك أنزل
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي، باب رحمته ﷺ ج٥ ص١٧٤ الشعب. ٢ المرجع السابق ج٥ ص١٧٢. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ج٥ ص١٧٢ ط الشعب. ٤ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب فضل إبراهيم ج٩ ص٢٥٦.
[ ١٧٨ ]
خديجة ﵂ منزلة، تليق بها، حيث رزقه الله منها الولد.
وحينما غارت عائشة ﵂ من كثرة ذكر النبي لخديجة ﵂ وقالت: هل كانت إلا امرأة عجوزًا رزقك الله خير منها قال لها: "ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد ولم أرزق من أحد سواها" ١.
وكان ﷺ يحب الأطفال عمومًا، ويحسن إليهم ويرق لهم.
وقد رأينا ما كان منه ﷺ مع أولاده جميعًا، وكان يحبهن، ويحب أبناءهن كحبه لهن.
يروي مسلم أن الناس كانوا إذا رأوا أول الثمر، جاءوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا". ثم يدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثمر٢.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٦١. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي. باب فضل المدينة ج٩ ص١٤٦.
[ ١٧٩ ]