عامل الرسول ﷺ نساءه معاملة كريمة، قائمة على حسن العشرة، ومكارم الأخلاق، ورفعة السلوك، وفي هذا المبحث أورد أهم جوانب هذه المعاملة.
أولا: كان رسول الله ﷺ يتحدث عن زوجاته، ويعلي شأنهن، ويقدر لهن منزلتهن.
يقول ﷺ عن خديجة بنت خويلد: "خير نسائها مريم بنت عمران، خير نسائها خديجة " ١.
ويقول لعائشة ﵂: "أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه"٢.
ويقول ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
ويقول ﷺ عن زينب: "إنها أطولكن يدًا". لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق٤.
ويقول لزينب: "المزوج الله والشاهد جبريل" ٥.
وليس ذلك بغريب على رسول الله ﷺ فلقد أعلى الله شأنهن جميعًا، وجعلهن أمهات للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل خديجة ج١٥ ص١٩٨. ٢ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٢. ٣ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج١٥ ص٢١١. ٤ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٣٤. ٥ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩٦. ٦ سورة الأحزاب: ٦.
[ ١٥٥ ]
فزوجات النبي ﷺ أمهات للمؤمنين جميعًا، على طول الزمن، لهن ما للأمهات من الرعاية، والتقدير، وحسن المعاشرة، وعدم الزواج بهن بعد رسول الله ﷺ، وملازمة الأدب وحسن الخلق في التعامل معهن.
كما نبه المسلمين على ضرورة التمسك بآداب الدخول في البيوت حين التعامل مع زوجات النبي ﷺ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ١.
والآيات تنظم علاقة المسلمين ببيوت النبي ﷺ، وبنسائه أمهات المؤمنين في حياته، وبعد وفاته كذلك، ويواجه حالة كانت واقعة وهي أن بعض المسلمين كانوا إذا دعوا إلى طعام عند رسول الله ﷺ يستأنسون الحديث فيجلسون بعد الطعام، فأمر الله تعالى بالانتشار بعد الطعام منعًا لإيذاء رسول الله ﷺ.
ثانيًا: كان رسول الله ﷺ يعدل بين زوجاته، ويسوي بينهن كما أمر الله تعالى، وفي إطار وسعه ﷺ، ولم يفرق الرسول ﷺ في حسن معاملته، بين زوجاته أبدا، برغم تفاوتهن في جوانب عديدة، في الجمال، وفي السن، وما كان يبعده عن العدل شيء ما، فجعل لكل واحدة منهن ليلة، وإذا زار واحدة في غير ليلتها زارهن جميعًا، ومع مراعاته للعدل الدقيق، كان يستغفر الله في ميله القلبي لبعضهن ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك".
وكان ﷺ يقرع بينهن إذا أراد السفر، فأيتهن خرجت القرعة عليها اصطحبها.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٥٣.
[ ١٥٦ ]
تقول أم سلمة: لما تزوجني رسول الله ﷺ أقام عندي ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك هوان على أهلك، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي" ١.
ثالثًا: كان ﷺ يقدر لزوجاته حقوقهن الأساسية، ويصونها لهن، لم يتزوج واحدة إلا برضاها، وكان يشاورهن، ويناقشهن ويصبر عليهن.
وقد رأينا موقفه ﷺ من النسوة اللاتي رفضن الزواج منه.
وكان ﷺ يستشير زوجاته في المواقف الصعبة وينزل على رأيهن.
في يوم الحديبية أمر المسلمين بأن يحلقوا، وينحروا، بعد الصلح ليتحللوا فبقوا واجمين، فدخل على زوجه أم سلمة، وهو متأثر يقول: "هلك المسلمون أمرتهم بالحلق فلم يحلقوا، وأمرتهم بالذبح فلم يذبحوا! ".
فقالت: يا رسول الله اخرج ولا تكلم أحدًا منهم، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج ﷺ فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك.
فلما رأى المسلمون ما صنع النبي ﷺ انزاح عنهم الذهول، فقاموا عجلين، ينحرون هديهم، ويحلق بعضهم بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر٢.
وهكذا كان رسول الله ﷺ يشاور زوجاته، ويأخذ برأيهن في الأمور العامة والخاصة، وكن ﵅ نعم الشريكات لزوجهن رسول الله ﷺ وبذلك نعمن بالحياة مع رسول الله ﷺ رغم ما كان في حياتهن من تقشف.
رابعًا: كان النبي ﷺ يحرص أن يكون جميلا، أنيقًا، نظيفًا، في صورته الجسدية، وفي سلوكه العملي، وفي سائر معاملاته معهن.
كان ﷺ ضاحكًا بسامًا٣.
_________________
(١) ١ من السنة أن من تزوج البكر يبقى عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب يبقى عندها ثلاثًا. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٩٤. ٣ رواه ابن عساكر. انظر منتقى النقول ص٢٩٨.
[ ١٥٧ ]
وكان أفكه الناس مع نسائه١.
وكان ﷺ يقول: "اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم، وتنظفوا" ٢.
ويقول ﷺ: "إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، ثم إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها، حتى تقضي حاجتها" ٣.
ويقول ﷺ: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" ٤.
إن رسول الله ﷺ لم يستنكف داخل بيته أن يقوم بحاجته، وأن يخدم نفسه، بل كان يقوم أحيانًا بحاجة أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويقول ﷺ: "خدمتك زوجتك صدقة".
خامسًا: كان ﷺ يترفق معهن في الحديث، ويداعبهن، ويلاعبهن، فقد لاعب عائشة ﵂ فسبقها فلما غضبت لاعبها وتراخى لها فسبقته، وقالت: هذه بتلك٥، وهو ﷺ القائل لعائشة: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت عليّ غضبى". فقالت له: ومن أين تعرف ذلك؟
قال ﷺ: "أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت عليّ عضبى قلت: لا ورب إبراهيم".
قالت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك٦.
سادسًا: وكان ﷺ يعرف ما جبلوا عليه كسائر النسوة، من غيره وتنافس وحب الاستئثار بالرجل، ولذلك لم يندهش لبعض تصرفاتهن، فيرفق بهن، ويصبر عليهن.
حدث مرة أن ذبح ﷺ شاة وقال: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة".
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص١٩. ٢ فيض القدير ج٢ ص١٩. ٣ فيض القدير ج١ ص٣٢٥. ٤ المرجع السابق ج٣ ص٤٦٦. ٥ صحيح مسلم بشرح النووي كتاب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٣. ٦ صحيح مسلم كتاب الفضائل: باب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٣.
[ ١٥٨ ]
فغارت عائشة وقالت: خديجة خديجة.
فما زاد ﷺ إلا أن قال لها: "إني رزقت حبها" ١.
وقالت عائشة ﵂ لفاطمة بنت رسول الله: إن رسول الله لم يرزق بكرًا غيري: فبكت فاطمة، وذهبت تشكو لأبيها ﷺ.
فقال لها: "قولي لها إن أمي تزوجت أبي وكان بكرًا، ولم يتزوج عليها" ٢.
وكان ﷺ يعمل على إرضاء زوجاته، وتهدئة خواطرهن بالمعروف يقول أنس بن مالك: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: "ما يبكيك"؟.
قالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي.
فقال لها النبي ﷺ: "إنك لابنة نبي، وإن عمك نبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك". ثم قال لحفصة: "اتقي الله يا حفصة" ٣.
وكان يقابل بعض تصرفاتهن بالصمت لينتهوا منه، ويعلموا ما في تصرفهن من حق أو خطأ في رفق وهدوء، بعيدًا عن الانفعال والغضب.
يروي الإمام مسلم بسنده عن السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: أرسل أزواج رسول الله ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى أبيها ﷺ فاستأذنت عليه، وهو مضجع معي في مرطي، فأذن لها.
فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة.
فقال لها رسول الله ﷺ: "أي بنية ألستِ تحبين ما أحب"؟.
فقالت: بلى.
قال: "فأحبي هذه".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري. ك المناقب. باب فضل خديجة ج١٥ ص١٩٩. ٢ الإسلام ص١٧٥. ٣ سنن الترمذي بشرح تحفة الأحوذي أبواب المناقب ج١٠ ص٢٦٨.
[ ١٥٩ ]
فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ وأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله ﷺ.
فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى أبيك ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة.
فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا.
فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش ﵂، زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله ﷺ.
تقول عائشة: لم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تتصدق به، وتتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفينة.
فاستأذنت زينب على رسول الله ﷺ وهو مع عائشة في مرطها، على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها، فأذن لها رسول الله ﷺ.
فقالت يا رسول الله: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فلم يتكلم رسول الله ﷺ.
تقول عائشة: ثم إن زينب وقعت بي، فاستطالت عليّ، وأنا أرقب رسول الله ﷺ، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها، فلن تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر، فلما وقعت بها لم أنشبها، حتى أنحيت عليها.
فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر" ١.
وهو يدل على رفق رسول الله ﷺ بزوجاته، وصبره عليهن، فبرغم أنهم تجمعن، وأرسلن إليه يطلبن العدل، وفي هذا تحامل منهن على رسول الله ﷺ رغم ذلك كان ﷺ يبتسم، ويصمت، ويترك لهن تقدير الموقف، ولم يأخذ واحدة منهن بالظنة أو يصدق ما يشاع عن إحداهن من سوء، فلقد أشاع المنافقون الإفك حول عائشة ﵂، واتهموها زورًا بما ليس فيها ومع ذلك لم يتغير رسول الله ﷺ ولم يغاضب عائشة، وإنما بقي
_________________
(١) ١ صحيح مسلم باب فضائل عائشة ج١٥ ص٢٠٥.
[ ١٦٠ ]
صامتًا صابرًا، مع شدة ألم الإفك في نفسه، وذلك أكبر برهان على حسن معاملة رسول الله ﷺ لزوجاته، وأخذه لهن بالرفق والأناة.
إن سلامة العرض، والمحافظة على الشرف والفضيلة من السمات التي يحافظ عليها العرب، ويدافعون عنها بكل غال لديهم، ومع ذلك الوضع الخطير يحافظ رسول الله ﷺ على هدوئه، ويترفق بعائشة ﵂، ويستمر ذلك الحال شهرًا كاملا، ولا يتعرض لها بنقد أو تأنيب أو مقاطعة أو بنظرة عاتبة.
تروي السيدة عائشة ﵂ حادثة الإفك كما عايشتها فتقول: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ، بعدما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل، فلما دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حتى آذنوا بالرحيل فمشيت، حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه.
وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يهبلن الطعام ولم يغشهن اللحم، إنما كن يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي، بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع، ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفتقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة،
[ ١٦١ ]
ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، موغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول، فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول.
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك.
وكان يريبني في وجعي، أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله فيسلم، ثم يقول: "كيف تيكم"، ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بشيء.
ثم خرجت، حين نقهت، فخرجت مع أم مِسطح فلما فرغنا من شأننا عدنا إلى بيتي، وعنده عثرت أم مِسطح في مرطها فقالت: تعس مِسطح.
فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرًا؟
فقالت: أي هنتاه، أولم تسمعي ما قال؟
قلت: وما قال؟
فأخبرتني، بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: "كيف تيكم".
فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ وأريد أن أستيقن الخبر من قِبَلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس؟
قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها.
فقلت: سبحان الله! أوقد تحدث الناس بهذا؟
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي.
ودعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله.
[ ١٦٢ ]
فأما أسامة، فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، وقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا.
وأما عليّ فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله ﷺ بريرة وقال لها: "أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك"؟.
قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرًا قط، أغمصه غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله.
فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي، وهو على المنبر، فقال: "يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل، قد بلغني عنه، أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلا، ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي".
فبكيت يومي ذلك كله، لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا يرفأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي.
فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا، لا يوحى إليه في شأني بشيء.
فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف، ثم تاب تاب الله عليه".
فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ عني فيما قال.
فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ.
فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ، فيما قال.
[ ١٦٣ ]
قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ.
فقلت وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ من القرآن كثيرًا: إني والله، لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني برئية لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا، إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثم تحولت، واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأعلم أن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه.
فسري عن رسول الله ﷺ، وهو يضحك، فكانت أول كلمه تكلم بها أن قال: "يا عائشة أما الله فقد برأك".
فقالت لي أمي: قومي إليه.
فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله عز وجل١.
وفي قصة الإفك نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب حديث الإفك ج٦ ص٣٤٠-٣٤٨ ط الأوقاف.
[ ١٦٤ ]
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
والآيات واضحة الدلالة على براءة السيدة عائشة ﵂، وتعيين الأفاكين في عدد قليل، هم العصبة، وتوجيه المسلمين إلى المنهج القويم، الذي يجب اتباعه في مثل هذه الحالات، مع ملاحظة أن إبطال الإفك كان في كلمة واحدة أطلقت على كل ما جرى مسمى "الإفك"، وبقية الآيات دروس تربوية وإيمانية لمجتمع يجب أن يدوم على خيريته وعظمته التي صنعها الإسلام، ويجب أن تستمر به.
وأهم هذه الدروس ما يلي الدرس الأول:
إن رسول الله ﷺ عاش شهرًا قبل نزول الآيات بالبراءة، والإشاعة الكاذبة تملأ الدنيا، والهمس يدور بين أهل المدينة جميعًا، وأخذ ﷺ يبحث عن الحقيقة التي ترد هذا الزيف المتكاثر فاستبين آراء أصحابه، وسأل أسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب، كما سأل بريرة مولاته.
وقد أجابه كل من سأله إجابة تؤكد علو مقام السيدة عائشة وطهارتها، ولم يزد أحد عن ذلك إلا عليًا ﵁ فإنه حاول أن يسري عن رسول الله ﷺ، ويبعده عن الحزن، فنصحه بالزواج، فالنساء كثير، حتى لا يتأثر بما يشاع مع تقديره لمقام عائشة ﵂.
_________________
(١) ١ سورة النور: الآيات من ١١ إلى ٢١.
[ ١٦٥ ]
الدرس الثاني:
إن حادثة الإفك قدر إلهي أراده الله تعالى لتحقيق الخير للمسلمين، به يعرفون عدوهم، ويعلمون المنافقين من بينهم، ولتبقى البراءة آيات قرآنية تعلي مكانة أم المؤمنين عائشة على الزمن كله.
فإذا علم أن هذا الإفك أشيع بين الناس بعد غزوة الأحزاب، لظهر أنه كان جزءًا من مؤامرة شاملة خطط لها أعداء الإسلام وروجها المنافقون من أجل تقويض المجتمع الإسلامي، وتشويه صورة القيادة المحمدية.
ومن هنا كان إثبات براءة السيدة عائشة ﵂، وظهور طهارة بيت النبوة في قرآن يتلى، ويبقى ثابتًا على طول الزمن من المبادئ الهامة التي لا بد منها لصيانة المجتمع من الشائعات، وبخاصة تلك التي تتصل بالريادة المؤمنة التي يتأسى بها سائر الناس ولتبق القيادة المسلمة في كل آن مثالا عاليًا للطهارة، والخلق الكريم.
الدرس الثالث:
في إطار الآيات التي تتحدث عن الإفك جاءت توجيهات تحدد أهمية تعاون المجتمع في رد البهتان والزيف، حتى لا يروجه البعض وهو لا يدري.
فلا يصح في المجتمع المسلم أن ينتشر الإفك فيه وبخاصة ما يتعلق بالعرض والشرف، والواجب على كل من يسمع إفكًا أن لا يكرره، وعليه أن يستعيذ بالله منه، ولا يشيعه، تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
ولا يجوز في المجتمع المسلم أن يسمع أحد أفراده عن إخوانه أمرًا، ويصدقه بلا برهان يثبته، أو دليل يؤكده.
ولا يصح لمسلم أن يضع نفسه فوق إخوانه، أو يتميز عنهم، وواجب على المسلم أن يقيس الأمر على نفسه وعلى أهله، وأن يضع نفسه مكان من دار الإفك
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: ٦.
[ ١٦٦ ]
حولهم، فإن استبعد على نفسه ما يسمعه فمن الأولى أن يستبعده على غيره، وبخاصة من هم أفضل منه في الكرم، والخلق.
يروي المؤرخون أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقوله الناس في عائشة؟
قال: بلى وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟
قالت: لا والله ما كنت لأفعله.
قال: فعائشة والله خير منك١.
الدرس الرابع:
إن كرامة المجتمع المسلم يجب أن تصان من دعايات السور ولذلك نزلت الآيات لعظة المسلمين حتى لا يقعوا في مثل هذا الأمر مرة أخرى، ولا يكونوا فريسة تويجهات الشيطان من الإنس أو الجن التي تحاول جر المجتمع الإسلامي إلى الهاوية، وعلى المسلمين في مثل هذه المواقف أن لا يتعجلوا في الحكم، وأن لا يتحدثوا إلا بعد معرفة الحقيقة الصادقة، حتى لا يؤذوا أنفسهم، وغيرهم بجهالة ويصبحوا نادمين.
إن من تسرع في الإفك، وخاض فيه بلا بينة أخطأ كثيرًا ويكفي لظهور خطأ هؤلاء أن نعلم أن صفوان بن المعطل كان حصورًا لا يأتي النساء٢ ومع ذلك قيل ما قيل فيه!!
الدرس الخامس:
الله عليم بعباده محيط بأخبارهم وأحوالهم، ولذلك أنزل عقوبته على هؤلاء الأفاكين على قدر مساهمتهم في الإفك، وعذاب الله الأليم نازل بهم في الدنيا والآخرة.
وأيضًا: فإن رحمة الله تلحق بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة فيقبل توبة المسيء، ويغفر لمن استغفر، ويزكي عباده الصالحين.
والدرس الهام والأخير:
هو بروز خلق رسول الله ﷺ الحليم، الرءوف، الرحيم، بالمؤمنين جميعًا،
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج٢ ص٣٠٢. ٢ سيرة ابن هشام ج٢ ص٢٢٤.
[ ١٦٧ ]
وبخاصة بأمهات المؤمنين.
فبرغم ما كان فيه من عناء يزلزل الجبال في أيام حادثة الإفك كان يسأل عن عائشة ﵂، ويطمئن عليها، ويقول لها: "كيف تيكم"؟.
وستر عنها حديث الناس حتى لا تؤذى، ولم يرض بإثارتها، ومناقشتها، وكان يذكرها بالتوبة، والاستغفار إن كان وقع منها شيء ويستمر الرسول ﷺ هكذا شهرًا كاملا حتى تنزل عليه آيات البراءة، فيخبر عائشة ﵂، وهو ﷺ أسعد منها بها.
ويتحول جو الصمت، والحزن، في بيت النبوة إلى سرور، وفرح، وتنقلب المدينة كلها حديثًا عن طهارة أم المؤمنين عائشة وبراءتها مما أثير حولها.
تقول أم رومان لعائشة: قومي اشكري رسول الله.
فترد عائشة ﵂: إنما أشكر الله الذي برأني من فوق سبع سماوات١ وتستمر البراءة قرآنًا يحفظ في الصدور، ويتلى على الألسنة، شاهدًا على طهارة هذا البيت العظيم.
هذا..
وقد وقعت حادثة الإفك أثناء الرجوع من غزوة بني المصطلق سنة ست من الهجرة.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب المغازي باب حديث الإفك ج٦ ص٣٤٨.
[ ١٦٨ ]