احتاج المسلمون إلى الأمر بالقتال بعد الإذن به؛ لأن منهم من أسلم حديثًا ولم يقع إيذاء عليه، ومنهم من طبع على ضعف فطري، ومنهم من بينه وبين أهل مكة قرابة وصلة وهؤلاء لا يكفي معهم الإذن بالقتال، وإنما لا بد لهم من الأمر به ليشعروا بوجوبه، ويقيموه مخافة الإثم من ترك فرض.
وهذه المرحلة لم تخرج هي الأخرى عن التزام الحق ومقاومة الباطل ورد العدوان كما يستفاد من آيات تشريعها.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢.
ويقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
وفي هذه الآيات أمر الله تعالى بالقتال المقيد وعرف بأنه موجه لقتال المعتدين الذين يقاتلون المسلمين وحدهم، مع الالتزام بعدم العدوان، وعلى المسلمين أن يعرفوا جيدًا أنه لا عدوان إلا على الظالمين.
وقد بدأت هذه المرحلة الثالثة بعد بدر مباشرة حيث بدأت قريش تعمل للحرب
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٦٥، ٦٦. ٢ سورة البقرة: ١٩٠. ٣ سورة البقرة: ١٩٣.
[ ٢٣٥ ]
وأخذت تستعد للانتقام من هزيمتهم في بدر، جاء في أسباب النزول للنيسابوري أنه لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجعوا إلى مكة، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، أصيب آباؤهم، وأبناؤهم، وإخوانهم في بدر فقابلوا أبا سفيان، ومن كان له في ذلكم العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا ففعلوا١ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ ٢.
وكان الله مع المؤمنين فوجههم بعد بدر مباشرة إلى وجوب الاستعداد للحرب ولزوم الثبات فيها، ثم كانت قمة المعية الإلهية أن وجه المسلمين إلى أن مرحلة الإذن المجرد قد انتهت، لتبدأ مرحلة أوسع منها هي مرحلة فرضية القتال فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣.
والآية تؤكد خاصة المرحلة الثالثة، وهي الأمر بقتال من يقاتل المسلمين من أهل مكة، ومن ظاهرهم وقصر العدوان على من يعتدي.
_________________
(١) ١ أسباب النزول ص١٦٣. ٢ سورة الأنفال: ٣٦. ٣ سورة الأنفال: ٣٨-٣٩.
[ ٢٣٦ ]