امتدت رعاية الله لنبيه ﷺ في كل أعمال الهجرة.
فلقد أعمى الله عقول وأبصار من أحاطوا ببيت رسول الله ﷺ ليلة الهجرة حتى خرج ﷺ وألقى على رأسهم التراب، ولم يشعروا به.
وهدى الله رسوله ﷺ إلى وضع تنظيم يتحرك فيه كل من اشترك في أعمال الهجرة وفق إمكانياته، وبصورة لا تعطي القرشيين أي خبر عن الهجرة.
وخلق الله في برهة وجيزة عند باب الغار ما يصرفهم عن الدخول فيه، الأمر الذي جعل كفار مكة لا يتصورون أن أحدًا دخل الغار من مدة طويلة.
وبعدما خرج رسول الله ﷺ من الغار، وأخذ طريقه إلى المدينة تجلت عناية الله، وبرزت المعونة الإلهية للرسول، وصاحبه في صور عديدة منها:
١- رد سراقة بن مالك:
رصدت قريش مائة من الإبل لمن يأتي برسول الله ﷺ أو بأبي بكر حيًا أو ميتًا، وتلك ثروة يلهث وراءها الشباب والرجال في مكة وبخاصة إذا أتت من عمل يصون قوميتهم، ويحافظ على آلهتهم كما يتصورون.
ومن أكبر الذين اجتهدوا في نيل هذه الجائزة سراقة بن مالك وكان له في هذا المجال قصة يرويها البخاري في صحيحه بسنده عن سراقة بن مالك.
يقول سراقة بن مالك: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره.
[ ٧٨ ]
فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم.
فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا.
ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت، فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فحططت بزجة الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟
فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدي فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم.
ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أنه ﷺ قال: "أخف عنا". فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب الأمان في رقعة من أديم١.
٢- شاة أم معبد الخزاعية:
في أثناء رحلة الهجرة مر الرسول وصحبه بخيمة أم معبد، وهي امرأة بدوية كريمة تطعم وتسقي من يأتيها، واسمها عاتكة بنت خالد الخزاعية، تكنى باسم ولدها معبد.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب ج٦ ص٢١٠، ٢١١، ط الأوقاف.
[ ٧٩ ]
وقف رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أمام خيمة أم معبد وسألاها: "هل عندك شيء".
فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب، والسنة سنة شهباء.
فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد "؟.
قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم.
فقال ﷺ: "هل بها من لبن"؟.
قالت: هي أجهد من ذلك.
فقال ﷺ: "أتأذنين لي أن أحلبها"؟.
قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.
فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتفاجت عليه ودرت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا حتى ملأ الإناء، ثم ارتحلوا.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزالا، فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا؟ والشاء عازب ولا حلوبة في البيت؟
فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا.
قال لها: إني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد، فوصفته بصفته الرائعة، بكلام دقيق كأن السامع ينظر إليه، وهو أمامه.
فقال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا١.
٣- إسلام أبي بريدة:
في أثناء رحلة الهجرة، وفي الطريق على مقربة من المدينة المنورة لقي الرسول ﷺ أبا بريدة ونفرًا من قومه؛ جاءوا يطلبون النبي وأبا بكر ليفوزوا بالمكافأة التي رصدتها
_________________
(١) ١ زاد المعاد في هدي خير العباد ج٣ ص٥٥-٧٥ مؤسسة الرسالة سنة ١٩٧٩.
[ ٨٠ ]
قريش للقضاء عليهما.
كلم أبو بريدة رسول الله ﷺ فعلم صدقه وأمانته وأسلم لوقته، وتبعه سبعون رجلا من قومه، ثم خلع أبو بريدة عمامته، وعقدها برمح رسول الله ﷺ فاتخذها رسول الله ﷺ عمامة له، وبذلك يعد أبو بريدة والمؤمنون معه من أوائل الأنصار الذين اتبعوا الرسول ﷺ بعد الهجرة.
وبإيمان هؤلاء القوم صار للمسلمين قوة في الطريق١، وبدأ المسلمون في تكوين المجتمع القوي المتماسك.
٤- تأمين الزاد:
ومر ﷺ وصاحبه في الطريق على راع فاستسقياه اللبن، فاعتذر بأنه لا لبن في شائه، إلا شاة جف لبنها قريبًا، وهنا ظهرت معجزته ﷺ فلقد مسح ضرعها ودعا فرزقهم الله الكثير من اللبن، وكانت هذه آية كافية لتحويل قلب الراعي من الكفر إلى الإيمان، وتوسم فيه ﷺ الكثير من الخير، فأخبره بأنه رسول الله، وطلب الراعي أن يسير معه فطلب منه ﷺ أن يتمهل حتى يسمع بظهور أمره ﷺ وحينذاك يلحق بالمدينة، ويهاجر إلى رسول الله ﷺ.
عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفين مرا بعبد يرعى غنمًا، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن.
فقال ﷺ: "ادع بها". فدعا بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت.
وجاء أبو بكر ﵁ بمجن، فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب.
فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك قط.
قال ﷺ: "أوتراك تكتم عليّ حتى أخبرك"؟.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع للمقروي ج١ ص٤٢.
[ ٨١ ]
قال: نعم.
قال ﷺ: "فإني محمد رسول الله".
فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ.
قال ﷺ: "إنهم ليقولون ذلك".
قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك.
قال ﷺ: "لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا " ١.
٥- التبشير بالعودة إلى مكة:
ترك رسول الله ﷺ مكة وهي أحب البلاد إلى نفسه، ولذا رأيناه ﷺ حينما ابتعد عن مكة نظر إليها، وودعها بكلمات تؤكد حبه لها، فعن عبد الله بن عدي عن الحمراء أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة وهو يقول: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" ٢.
وعن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ وهو ينظر إلى مكة ليلة الهجرة: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" ٣.
وقد كانت عناية الله تعالى برسوله إذ نزل عليه خلال رحلة الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ٤.
يقول ابن عباس: والمعاد هي مكة، وفي الآية بشرى لرسول الله ﷺ في أنه سيعود إلى مكة ساعة أن يسلم أهلها، وتكون دار إسلام٥.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية لابن كثير ج٣ ص١٩٤. ٢ سنن الترمذي بشرحه تحفة الأحوذي ج١٠ ص٤٢٦ والحزورة مكان مرتفع في مكة. ٣ سنن الترمذي بشرحه تحفة الأحوذي ج١٠ ص٤٢٧. ٤ سورة القصص: ٨٥. ٥ صحيح البخاري كتاب التفسير ج٧ ص٣٦٥ ط الأوقاف.
[ ٨٢ ]