كان ﷺ ينام، إذا دعته الحاجة إلى النوم، ينام على شقه الأيمن، ذاكرًا الله حتى تغلبه عيناه، وكان يضطجع على الوسادة، ويضع يده تحت خده أحيانًا.
وكان ﷺ ينام بعينه ولا ينام قلبه١.
_________________
(١) ١ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج٨ ص٧٨.
[ ١٨٤ ]
ومن تدبر صفة نومه ويقظته ﷺ وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن، فإنه كان ينام على الفراش تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة، وكان له بساط ينام عليه بعد أن يثنيه ثنيتين، وكانت وسادته جلدًا حشوها ليف، وإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ النصف الثاني لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ .
فيحمد الله تعالى ويكبره، ويدعوه، ويستاك، ثم يقوم إلى وضوءه، ثم يقف للصلاة بين يدي ربه ﷿ خاشعًا، راهبًا، متدبرًا.
وقد حدد الله ﷿ أوقات النوم في اليوم والليلة التي يجب فيها الاستئذان إذ قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.
وكان من هدي النبي ﷺ النوم وقت القيلولة٢.
- عن أنس ﵁ قال: إن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعًا٣ فيقيل عندها على ذلك النطع٤.
- وعن أنس قال: قال ﷺ: "قيلوا فإن الشياطين لا تقيل" ٥.
ورسول الله ﷺ بذلك يخبرنا بأن هذا وقت لا تهدأ فيه الشياطين، بل تزداد ثورة في وقت الظهيرة، لأنها خلقت من نار السموم، فمن المستحب أن ننام، ونريح جسدنا في وقت القيلولة، حتى نستعد لقيام الليل، وكان هذا دأبه، وعمله، ﷺ حتى
_________________
(١) ١ سورة النور: ٥٨. ٢ القيلولة: وقت الظهيرة. ٣ نطعًا: بساط من الجلد. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي. ك الفضائل ج٥ ص١٨٤ الشعب. ٥ قال الألباني في الجامع: رواه الطبراني وأبو نعيم بسند حسن. حديث رقم ٤٤٣١.
[ ١٨٥ ]
لقي ربه، وكان ﷺ ينام غالبًا على قفاه.
- يقول الشافعي ﵁: النوم على أربعة أنحاء:
نوم على القفا، وهو نوم الأنبياء ﵈، يتفكرون في خلق السماوات والأرض ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد.
ونوم على الشمال وهو نوم الملوك ليهضم طعامهم.
ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين.
وقد نهى النبي ﷺ أن ينام الرجل على وجهه، فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: مر النبي ﷺ برجل مضطجع على بطنه، فقال: "هذه ضجعة لا يحبها الله ﷿" ١.
- وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة٢.
ورؤي النبي ﷺ مستلقيًا على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى٣.
وفي ذلك إباحة الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى للراحة، ولكن هذه ليست نومة النبي ﷺ المستديمة ولكنه ﷺ نام بها، ويمكن فعلها في أوقات الراحة، وفي غيرها لمن أراد بعدما أباحها ﷺ.
وكان رسول الله ﷺ يدعو ربه قبل نومه.
- عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: "اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت" ٤.
قال النووي في زاد المعاد:
_________________
(١) ١ سنن الترمذي باب ما جاء في كراهية الاضطجاع على البطن ج٥ ص٩٧. ٢ صحيح البخاري كتاب الأذان باب من انتظر الإقامة ج٢ ص١٤. ٣ صحيح البخاري كتاب الصلاة باب الاستلقاء في المسجد ج١ ص٣١٧. ٤ صحيح البخاري كتاب الدعوات ج١٠ ص٨٨.
[ ١٨٦ ]
معنى وضع رأسه على كفه، أي: وضع راحته مع أصابعه اليمنى تحت شقه الأيمن من وجهه، فالكف للراحة مع الأصابع، وسميت به لأنها تكف الأذى عن البدن وتريح صاحبها لوضعها تحت خده الأيمن.
- عن أبي ذر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضطجعه من الليل قال: "اللهم باسمك أموت وأحيا".
فإذا استيقظ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ١.
وكان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه يقول: "اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت" ٢.
- عن عائشة ﵂ قالت:
كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .
وسورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ .
وسورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ .
ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه، ووجهه، وما أقبل من جسده يصنع ذلك ثلاث مرات٣.
- عن جبلة بن حارثة أن النبي ﷺ قال: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك" ٤.
- عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "باسمك اللهم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب الدعوات باب وضع اليد تحت الخد اليمنى ج١٠ ص٨٧. ٢ صحيح البخاري كتاب الدعوات باب ما يقول إذا نام ج١ ص٨٨. ٣ سنن الترمذي باب ما يقرأ من القرآن عند المنام ج٥ ص٤٧٣ والحديث حسن صحيح غريب. ٤ المرجع السابق ج٥ ص٤٧٤.
[ ١٨٧ ]
أموت وأحيا"، وإذا قام من نومه، قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" ١.
- عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، منزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر٢.
وكان النبي ﷺ إذا قام من الليل يقول: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك" ٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب الدعوات ج١٠ ص٨٧. ٢ صحيح مسلم كتاب الدعاء ج١٧ ص٣٥. ٣ صحيح البخاري كتاب الدعوات باب الدعاء بالليل ج١٠ ص٨٩.
[ ١٨٨ ]