قدرة الله غالبة، وأمره ﷾ نافذ، وكان من اليسير أن يزيل الكفر والكافرين بـ: "كن"، لكن إرادة الله قضت بجريان أمور الدعوة على عادة البشر وسنن الحياة، ليتملى المسلمون حركة القدرة الإلهية، وينظروا في مسار الأمور اعتبارًا وعظة، ولذلك كانت الهجرة عملا بشريًا، راعت كافة الاحتمالات، ورسمت منهجًا للحركة الصحيحة، وقد أعان الله تعالى رسوله والمسلمين على النجاح، وقدر لهم أن يتم أخطر عمل في حياة المسلمين بفكر البشر، ليكون دليلا للمستقبل ومبدأ للتأسي، وقد عالجت الخطة جميع الجوانب التي نلحظها في الأمور التالية:
١- الإعداد المسبق للهجرة:
أعد الرسول ﷺ للهجرة عدتها قبل أن يتحرك من بيته.
تقول عائشة ﵂: فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر١ الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ جاء متقنعًا٢ في ساعة لم يكن يأتينا فيها!
_________________
(١) ١ أي أول الزوال، وهو أشد ما يكون في حرارة النهار. ٢ أي مغطيًا رأسه من شدة الحرارة.
[ ٦٩ ]
فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. تقول عائشة: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له.
فلما دخل ﷺ قال لأبي بكر: "أخرج من عندك".
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك١ بأبي أنت يا رسول الله.
قال ﷺ: "فإني قد أذن لي في الخروج".
فقال أبو بكر: الصحابة٢ بأبي أنت يا رسول الله.
قال رسول الله ﷺ: "نعم".
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
قال رسول الله ﷺ: "بالثمن" ٣.
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز٤ وصنعنا لهما سفرة في جراب٥.
وقد نظم رسول الله ﷺ أمر الهجرة وحدد لجميع من سيساعده دوره وعمله، كما سيتضح ذلك من عمل علي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن أبي بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أريقط، وأسماء بنت أبي بكر.
٢- مبيت علي ﵁ على فراشه ﷺ:
لما عزم رسول الله ﷺ على الهجرة وعلمت قريش ذلك، وخافت على نفسها من أثر إيجاد قوة للمسلمين خارج مكة، قررت قتل رسول الله ﷺ وفق الخطة التي قرروها في اجتماع دار الندوة.
وفي الليلة التي عزم الرسول ﷺ على الهجرة فيها، تجمع فتيان قريش حول
_________________
(١) ١ أراد بذلك عائشة وأسماء، والمقصود أنهم من أهل دينك فلا تخش منهم، كما جاء في رواية موسى بن عقبة ففي روايته: "أخرج من عندك"، قال: لا عين عليك، إنما هما ابنتاي. ٢ أي أريد مصاحبتك يا رسول الله. ٣ مع أن أبا بكر أنفق الكثير من ماله على الدعوة ورسولها، إلا أن الرسول ﷺ حرص على دفع الثمن حتى لا تكون هجرته إلا من مال نفسه. ٤ أفعل تفضيل من الحث وهو الإسراع، والجهاز: ما يحتاج إليه في السفر. ٥ أي زادًا في جراب، وأصل السفرة الزاد ثم استعملت في وعاء الزاد، وإنما أرادت السيدة عائشة من اللفظة هنا أصلها اللغوي.
[ ٧٠ ]
بيت النبي، يرصدونه حتى ينام، فيثبون عليه، فأخبر جبريل ﵊ رسول الله ﷺ بمؤامرة القوم، وأمره أن لا يبيت هذه الليلة على فراشه الذي يبيت عليه، فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: "نم على فراشي، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" ١.
ولقد نجحت هذه الخطة نجاحًا واضحًا، فلقد رأى رجل رسول الله ﷺ وهو يخرج من بيته، ويضع على رءوسهم التراب، فجاء للفتيان وقال لهم: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك فيكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، أفما ترون ما بكم؟
فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب فظنوه بسبب الريح، أو بغيره، ولم يصدقوا الرجل في مقالته، واستمروا على ظنهم أن رسول الله ﷺ لم يخرج لرؤيتهم رجلا على فراش رسول الله ﷺ وكانوا ينظرون في الفراش بين الفينة والفينة فيجدون شخصًا مسجًا ببرد رسول الله، فيظنونه نائمًا ولذلك استمروا في مكانهم.
فلما جاء الصباح، وقام علي من نومه وخرج عليهم، علموا أنهم قد خدعوا، وقال بعضهم لبعض: لقد صدقنا الذي حدثنا٢.
ونلاحظ دقة التخطيط وحسن الاختيار في مبيت علي ﵁ مكان رسول الله، فلقد اختار رسول الله ﷺ ابن أخيه لينام مكانه لما في مبيته من تضحية، والموت فيها وارد، وما دام الأمر هكذا فلتكن التضحية بالأهل والأقارب أما في صحبة الهجرة فلقد اختار الرسول ﷺ أبا بكر ﵁ ليعلم الجميع أن غاية رسول الله ﷺ تبليغ رسالته التي كلف بها، ولو كان يقصد الزعامة لأخذ نفرًا من قبيلته مثل علي بن أبي طالب، أو حمزة بن عبد المطلب أو غيرهما.
ومن قدر الله أن الرجال الذين أحاطوا ببيت النبي ﷺ انصرفوا عن اقتحامه وبقوا خارج الدار حتى الصباح، ولم يتعجل أهل مكة خبر مقتل محمد مع أن
_________________
(١) ١ تهذيب السيرة ص١١٢. ٢ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٨٣ بتصرف.
[ ٧١ ]
رجالهم جاءوا واستعدوا لتحقيق هذه الغاية.
يذكر السهيلي أن الرجال حينما هموا بالدخول لقتل رسول الله ﷺ، سمعوا صياح امرأة من داخل الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها لسبة في العرب أن يتحدث الناس عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا١.
وهكذا جرى قدر الله، وخرج الرسول ﷺ ليلا إلى دار أبي بكر، وصرف الله أهل مكة عن حراسة الطرق المؤدية إلى بيت رسول الله ﷺ ظنًا منهم أنهم أحكموا الخطة، ولن يتمكن محمد ﷺ من الخروج من بيته ورجالهم يحيطون به.
ووصل محمد ﷺ إلى بيت أبي بكر فاصطحبه وذهبا سويًا إلى الغار.
٣- الوصول إلى غار ثور:
خرج رسول الله ﷺ من داره ليلا وذهب مسرعًا إلى دار أبي بكر فوجده مستعدًا للرحيل، فخرجا سويًا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، وسارا معًا في نفس الليلة إلى الغار المتفق على الاختباء فيه، وعندما وصلا إلى الغار طلب أبو بكر من رسول الله ﷺ أن ينتظر حتى يدخل هو الغار ينظر ما فيه، وذلك من باب الحرص على سلامة رسول الله ﷺ فلربما كان في الغار حيوان مؤذ، يتصدى له أبو بكر فداء لرسول الله ﷺ.
عن ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور فجعل أبو بكر يكون أمام النبي ﷺ مرة، وخلفه مرة، فسأله النبي ﷺ عن ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك حتى انتهيا إلى الغار من ثور، قال أبو بكر: قف كما أنت حتى أدخل يدي فأحسه، وأقصه، فإذا كانت فيه دابة أصابتني قبلك. قال نافع٢: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفًا أن تخرج منه دابة، أو شيء يؤذي رسول الله ﷺ.
وفي الوصول للغار نلحظ الأعمال التالية:
- فلقد خرج الرسول ﷺ وأبو بكر من الخوخة خلف البيت ليبتعدا عن أعين
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص٢٢٩. ٢ هو نافع بن عمر الجمحي الراوي عن ابن أبي مليكة.
[ ٧٢ ]
القرشيين الذين يعملون على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم١ ومن المحتمل اهتمامهم بمراقبة بيت أبي بكر في هذه اللية الحاسمة.
- التحرك السريع ليلا فلقد وصل النبي وأبو بكر إلى الغار في نفس الليلة التي خرج فيها الرسول من بيته، مع أن جبل ثور يقع جنوب مكة بخمسة أميال، والطريق إليه وعر وشاق.
- الاتجاه نحو الجنوب جهة اليمن مع أن المدينة جهة الشمال؛ لأن القرشيين عندما يدركون هرب رسول الله ﷺ سيبحثون عنه في كل أنحاء مكة، وبخاصة جهة المدينة المنورة التي هاجر إليها المسلمون.
يقول المباركفوري: ولما كان النبي ﷺ يعلم أن قريشًا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي، المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن نعم سلك النبي ﷺ هذا الطريق وسار فيه نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور، وهو جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة٢.
- المكث في الغار ثلاثة أيام، وهي المدة التي سوف ينشط فيها القرشيون للبحث عن رسول الله ﷺ، وفيها سيجندون الرجال، ويبحثون في كافة الجهات، ومن المنتظر أنهم بعد ثلاثة أيام سيصابون بالإحباط، ويهدءون.
- أمر الرسول ﷺ مولى أبي بكر عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه بالنهار، ويسير بها حيث سار الرسول وصاحبه لتنمحي آثارهما، فلا يستطيع أحد اقتفاء أثرهما، وقد قام عامر بن فهيرة بما كلف به خير قيام.
٤- البقاء في الغار:
استقر الرسول ﷺ وصاحبه أبو بكر في الغار، ونشط المكيون في البحث عن محمد ﷺ بعدما فر منهم، ورصدوا لمن يأتي به حيًا، أو ميتًا مائة من الإبل، ولم
_________________
(١) ١ الخوخة وهي فتحة ضيقة كانت في ظهر بيت أبي بكر تجهد من يخرج منها، ويحتاج الخارج منها إلى مساعدة وعون. ٢ الرحيق المختوم ص١٦٤ طبع ونشر دار السلام، الرياض سنة ١٩٩٣م.
[ ٧٣ ]
يقصروا في السعي فلقد أحضروا رجالا يقتفون الأثر، يقودونهم إلى الناحية التي سار فيها محمد ﷺ وتتبع الدليل أثر الرسول وأبي بكر، فوجد أنهما أخذا طريق اليمن، وساروا فيه حتى وصلوا إلى غار ثور وتوقفوا، فأخذ القرشيون يفتشون في جبل ثور حتى وصلوا إلى الغار، ونظروا فيه فوجدوا على بابه نسيج العنكبوت، وحمامتين مع بيضهما في عشهما، فقالوا: لو دخل محمد هاهنا لانهدم بيت العنكبوت ولضاع عش الحمامة وانكسر بيضها!!
ونظر أبو بكر فرأى رجلا مواجهًا للغار فقال: يا رسول الله إنه ليرانا.
فقال رسول الله ﷺ: "كلا إن الملائكة تسترنا بأجنحتها".
فجلس الرجل وبال جهة الغار، فقال رسول الله ﷺ: لو كان يرانا ما فعل ذلك١.
واشتد خوف أبي بكر ﵁ وقال للنبي ﷺ لو نظر أحدهم تحت أقدامه لرآنا!! فقال له النبي ﷺ: "اسكت يا أبا بكر، ما بلك باثنين الله ثالثهما" ٢.
واستمر الرسول في الغار ثلاثة أيام بعيدًا عن الناس إلا أن التخطيط الذي وضعه الرسول ﷺ للهجرة جعله يحيط بكل ما يدور بين المكيين، ويسهل له وصول كل ما يحتاجه من سبل الحياة وأخبار الناس.
- فلقد أمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع ما يقوله الناس في النهار على أن يأتي رسول الله ﷺ في المساء بما كان في ذلك اليوم من خبر.
- وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام والشراب بما يصلحهما إذا أمست.
- وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى الغنم بالنهار على أن يأتي بالغنم الغار ليلا ليسقيهما لبنًا، وليعفو أثر عبد الله وأسماء.
وبعد أن مكث رسول الله ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام سكن الناس، وشعروا أن محمدًا فر بعيدًا عن مكة، فأتاهما عبد الله بن أريقط الذي استأجره الرسول دليلا
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب الهجرة ج٦ ص٦٦، ٦٧. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب باب الهجرة ج٦ ص٢٢١.
[ ٧٤ ]
للهجرة ومعه بعيراهما وثالث له، وأتتهما أسماء بزاد السفر الذي لم تجعل له حبلا يعلق به، فشقت نطاقها نصفين جعلت أحدهما حبلا للزاد فسميت بذات النطاقين لذلك١.
٥- في الطريق إلى المدينة:
خرج رسول الله ﷺ من الغار بعد ثلاثة أيام، وقادهما الدليل إلى حيث يقصدون بكل أمان وصدق، وسيطر الحذر على الركب الكريم في مسيرته، وبرزت مواقف عديدة صنعها القدر الإلهي، وأبقاها عبرة، وعظة للناس، وأهم هذه المواقف ما يلي:
- استفاد الرسول ﷺ في الهجرة بخبرة رجل مشرك هو عبد الله بن أريقط، وأستأجره ليكون الدليل لمعرفته بالطرق ومساراتها، وهذا أمر جائز شرعًا لتعين الرجل لذلك العمل وعدم وجود أحد من المسلمين للقيام بهذا الدور، وأيضًا فإن في اختيار رجل مشرك لقيادة الرحلة من الأمور التي تعمي على أهل مكة طريق الهجرة لأنهم لا يتصورون مشركًا يقود محمدًا وصحبه في الطريق.
- لم يسلك الركب الطريق إلى المدينة بعد الخروج من الغار وإنما أمعن في الاتجاه إلى الجنوب، ثم اتجه غربًا نحو الساحل حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس اتجه شمالا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر.
- إن الطرق بين مكة والمدينة وعرة، موحشة، لا يرى فيها المسافر ما يخفف عناء السفر من زرع وماء، وأساسها طريقان:
أحدهما شرقي محاذ لبلاد نجد.
والآخر: غربي محاذ لساحل البحر الأحمر.
وقد اختار الدليل الطريق الثاني. بيد أنه لم يسلك جادة هذه الطريق طوال الرحلة بل كان يلتوي هنا وهناك تفاديًا من أن يلحقهم من يقفوا أثرهم من القرشيين ممن كان يطمع في الحصول على الجائزة التي قررتها قريش لمن يأتي بالرسول ﷺ.
وقد وصف ابن هشام الطريق الذي سلكه الرسول ﷺ وصحبه من جبل ثور إلى المدينة لإظهار مدى التخفي والاستتار الذي سلكه الدليل بركب الهجرة، فقال: إن
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٤٨٥، ٤٨٦ بتصرف وقد أورد البخاري قصة الهجرة في حديث طويل رواه عن عائشة ﵂. انظر كتاب المناقب من صحيح البخاري ج٦٩ ص٢٠٦-٢١٠ ط الأوقاف.
[ ٧٥ ]
عبد الله بن أريقط سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما إلى الساحل، حتى عارض الطريق أسفل عسفان١، التي تبعد عن مكة بستة وثلاثين ميلا، ثم سلك بهما الدليل على أسفل أمج٢ ثم استجاز بهما الدليل حتى عارض الطريق بعد أن جاوز قديد، ثم سلك الخرار٣، وهو واد يقع في نحو منتصف الطريق بين مكة والمدينة، ثم أخذ بهما الحداجد٤، وتقع في أرض مستوية صلبة، ثم هبط بهما العَرِج٥. ثم هبط وادي العتيق الذي يؤدي إلى المدينة٦.
كان أبو بكر ﵁ خير صديق يصاحب رسول الله ﷺ في الهجرة، فلقد قام بحراسته وخدمته ومساعدته خير قيام.
يروي البراء بن عازب حديث الهجرة فيقول ﵁: ابتاع أبو بكر من عازب رحلا فحملته معه، فسأله عازب عن مسير رسول الله ﷺ.
قال له أبو بكر: أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلا، فأحثثنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة، فأتيناها ولها شيء من ظل، ففرشت لرسول الله ﷺ فروة معي، ثم اضطجع عليها النبي ﷺ، فانطلقت أنفض ما حوله فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة، يريد من الصخرة مثل الذي أردنا.
فسألته: لمن أنت يا غلام؟
فقال: أنا لفلان.
فقلت له: هل في غنمك من لبن؟
قال: نعم.
_________________
(١) ١ بضم أوله وسكون ثانيه ثم فاء وآخره نون وهي قرية صغيرة قريبة من ساحل البحر الأحمر على حد تهامة على طريق المدينة، يكثر بها النخيل والمزارع، وسميت عسفان لتعسف الطريق، ويسمى الطريق بين عسفان وملل الساحل. ٢ أمج بفتح الهمزة والجيم بلد صغير بين مكة والمدينة. ٣ بفتح الخاء وتشديد الراء: موضع بالحجاز قرب الجحفة. معجم ما استعجم للبكري ج٢ ص٤٩٢. ٤ جمع حدجد وهي الأرض المستوية الصلبة، ويجوز أن يكون جمع حدجد وهي البئر القديمة، ويظن ياقوت الحموي في معجمه أنها آبار قديمة. ٥ بفتح أوله وسكون ثانيه وجيم: منزل بطريق مكة على طريق الحاج. ٦ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٩١ بتصرف.
[ ٧٦ ]
قلت له: هل أنت حالب؟
قال: نعم.
فأخذ شاة من غنمه فقلت له: انفض الضرع.
فحلب كثبة من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة قد روأتها لرسول الله ﷺ فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي ﷺ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب رسول الله ﷺ حتى رضيت.
ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله.
قال: "بلى". فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له.
فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله.
فقال: "لا تحزن إن الله معنا" ١.
والحديث واضح الدلالة في دور أبي بكر خلال رحلة الهجرة، فلقد كان ﵁ يبحث لرسول الله عن ظل عند الظهيرة يأوى إليه، ويسوي له المكان، وكان يقوم بحراسة النبي ﷺ، ويراقب له الطرق، وكان يعد له الطعام، ويبرد له الشراب، ويسقيه اللبن، وكان دائم الخوف على رسول الله ﷺ لأنه كان يلتفت كثيرًا والرسول يقول له: "لا تحزن إن الله معنا"، وكان أبو بكر شيخًا معروفًا للعرب، مصدقًا لديهم يقابله أحدهم ويسأله: من هذا الرجل الذي معك؟
فيرد أبو بكر: هذا الرجل يهديني الطريق. فيظن السائل أنه طريق المدينة، بينما هو طريق الإسلام والرجل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
لقد قام أبو بكر ﵁ بدوره خير قيام مع رسول الله ﷺ أثناء الهجرة، وكان حبه لرسول الله ﷺ يملك عليه جوارحه وحياته كلها، خطب رسول الله ﷺ الناس مرة وقال: "إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت
متخذًا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته"٣.
يذكر عمر بن الخطاب ليلة الهجرة فيقول: والذي نفسي بيده لتلك الليلة لأبي بكر خير من آل عمر٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب، باب الهجرة ج٦ ص٢١٩، ٢٢٠. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب ج٦ ص٢١٥ ط الأوقاف. ٣ صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة ج٦ ص٧٩ ط الأوقاف. ٤ سيرة ابن كثير ج٢ ص٢٣٧.
[ ٧٧ ]