وقد بلغ عدد السرايا والغزوات قبل بدر ثمان منها أربع غزوات، وأربع سرايا بيانها كالآتي:
١- سرية سيف البحر:
كانت في رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وقد أمر رسول الله ﷺ على هذه السرية عمه حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلا من المهاجرين، يعترض عيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر١ من ناحية العيص٢، والتقوا بقافلة المشركين، فلما شعر بهم القرشيون دافعوا عن تجارتهم، واصطفوا للقتال، فمشى "مجي بن عمرة الجهني" وكان حليفًا للفريقين جميعًا، بين هؤلاء وهؤلاء، حتى حجز بينهم، فلم يقتتلوا.
وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله ﷺ، وكان أبيضًا، وحمله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي٣.
يقول ابن هشام: إن سرية حمزة هذه كانت في قوت واحد مع سرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ، ولذلك اختلف المؤرخون في أيهما كان أولا. والحقيقة أنهما كانا معًا في وقت واحد.
٢- سرية رابغ:
حدثت في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة، حيث بعث رسول الله ﷺ عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكبًا من المهاجرين، فلقي أبا سفيان وهو في مائتين عند بطن رابغ٤، وقد ترامى الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال، ولم تسل السيوف وفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمرو والبهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان المازني، وكانا مسلمين، خرجا مع الكفار، ليكون ذلك وسكيلة للوصول إلى المسلمين، وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف٥.
_________________
(١) ١ سيف البحر مكان في بلاد بني سليم قرب العيص. ٢ العيص بالكسر فسكون موضع ببلاد بني سليم به ماء على ساحل البحر، وفيه عسكر أبو بصير. ٣ سيرة النبي ج١ ص٥٩٥. ٤ رابغ بعد الألف باء مكسورة واد يقع بين الجحفة وودان. ٥ سيرة النبي ج١ ص٥٩١، ٥٩٢.
[ ٢٤٥ ]
٣- سرية الخرار:
كانت في شهر ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة، حيث بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في عشرين راكبًا، يعترضون عيرًا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز "الخرار"١ فخرجوا مشاة، يكمنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى بلغوا الخرار بأرض الحجاز صبيحة خمس من ذي القعدة، فوجدوا العير قد مرت بالأمس وكان لواء سعد ﵁ أبيض، وحمله المقداد بن عمرو٢.
٤- غزوة ودان:
حدثت في صفر من السنة الثانية على رأس اثني عشر شهرًا من الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ بنفسه، بعد أن استخلف على المدينة سعد بن عبادة، في سبعين رجلا من المهاجرين خاصة، يعترض عيرًا لقريش حتى بلغ "ودان"٣ فلم يلق كيدًا.
وفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشي الضمري، وكان سيد بني ضمرة في زمانه على أن لا يغزوهم ولا يغزوه ولا يكثروا عليه جميعًا، ولا يعينوا عليه عدوًا وكتب معهم كتابًا، وهاك نص المعاهدة:
$"هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا في دين الله، ما بل بحر صوفه، وإن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله، وذمة رسوله، ولهم النصر على من بر منهم واتقى".
وهذه أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ، غاب خلالها عن المدينة خمس عشرة ليلة وكان اللواء أبيض، وحامله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٤.
٥- غزوة بواط:
حدثت في شهر ربيع الأول في العام الهجري الثاني على رأس ثلاثة عشر شهرًا من
_________________
(١) ١ الخرار بفتح الخاء وتشديد الراء المفتوحة موضع بالحجاز قريب من الجحفة. ٢ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٦٠٠. ٣ ودان بواو مفتوحة ودال مشتقة من الود والمحبة وهي قرية جامعة قريبة من نواحي الفرع تقع بين الأبواء والجحفة. ٤ سيرة النبي ج١ ص٥٩١.
[ ٢٤٦ ]
الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ في مائتين من أصحابه المهاجرين، يعترض عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي، ومعه مائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير تحمل تجارة المكيين إلى الشام، فبلغ ﷺ بواطًا١ من ناحية رضوى، ولم يلق كيدًا ولم يقع قتال فأقام فيها ﷺ مدة ثم رجع بعدها إلى المدينة.
واستخلف ﷺ في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ ﵁، وكان اللواء أبيض وحمله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه٢.
٦- غزوة سفوان:
حدثت في شهر ربيع الأول سنة في العام الثاني الهجري على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة، حيث أغار "كرز بن جابر الفهري" في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشي، فخرج رسول الله ﷺ في سبعين رجلا من أصحابه لمطاردته، حتى بلغ واديًا يقال له "سفوان"٣ من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزًا وأصحابه، فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى لقربها من بدر.
واستخلف في هذه الغزوة على المدينة "زيد بن حارثة" وكان اللواء أبيض، وحمله علي بن أبي طالب رضي الله عنه٤.
٧- غزوة ذي العشيرة ٥:
حدثت في جمادى الأولى وجمادى الآخرة في العام الثاني الهجري على رأس ستة عشر شهرًا من الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين، من المهاجرين، ولم يكره أحدًا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يتعقبونها، ليعترضوا عيرًا لقريش ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبر بخروجها من مكة، وفيها أموال كثيرة لقريش، فبلغ ﷺ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتته بأيام، وهذه العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سببًا لغزوة بدر الكبرى.
_________________
(١) ١ بواط بفتح الباء وضم الواو جبل في جهينة من ناحية رضوى. ٢ سيرة النبي ج١ ص٥٩٨. ٣ سفوان بفتح أوله وثانية وآخره نون واد في ناحية بدر. ٤ سيرة النبي ج١ ص٦٠١. ٥ العشيرة: بضم العين وفتح الشين تصغير عشرة مكان قرب ينبع.
[ ٢٤٧ ]
وكان خروجه ﷺ في أواخر جمادى الأولى، ورجوعه في أوائل جمادى الآخرة كما جاء في سيرة ابن إسحاق، ولعل هذا هو سبب اختلاف أهل السير في تعيين شهر هذه الغزوة١ لأن بعضهم يراها في جمادى الأولى، والبعض يراها في جمادى الآخرة.
وفي هذه الغزوة عقد رسول الله ﷺ معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة، وادعه رئيسهم مجدي بن عمرو الضمري، ورجع إلى المدينة بغير قتال٢.
واستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء في هذه الغزوة أبيض، وحامله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٣.
وفي هذه الغزوة كنى رسول الله ﷺ عليًا بأبي تراب، وقصة ذلك أنه أرسله وعمار بن ياسر عيونًا على بني مدلج، فنظروا إليهم ساعة، ثم غشيهم النوم.
يقول عمار: فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في صور، من النخل، وفي دقعاء من التراب قمنا، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله ﷺ يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها فيومئذ قال رسول الله ﷺ لعلي بن طالب: "ما لك يا أبا تراب". لما يرى عليه من التراب.
وكان علي ﵁ إذا عتب على فاطمة في شيء لم يكلمها، ولم يقل لها شيئًا تكرهه إلا أنه يأخذ ترابًا فيضعه على رأسه، قال: فكان رسول الله ﷺ إذا رأى عليه التراب عرف أنه عاتب على فاطمة، فيقول له: "ما لك يا أبا تراب"؟ ٤.
٨- سرية نخلة:
وقعت في رجب في العام الثاني الهجري على رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة حيث بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة٥ في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٥٩. ٢ فتح الباري ج٧ ص٥٧٩. ٣ فتح الباري ج٧ ص٢٨١. ٤ سيرة النبي ج١ ص٥٩٩-٦٠٠. ٥ نخلة بفتح النون وسكون الخاء موضع بالحجاز قريب من مكة فيه نخل وكروم.
[ ٢٤٨ ]
وكان رسول الله ﷺ قد كتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فسار عبد الله، ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها عير قريش، وتعلم لنا من أخبارهم".
فقال: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وبين لهم أنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه.
وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا وتجارة، وفيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان، ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان، والحكم وأفلت نوفل ثم قدموا بالعير، والأسيرين، إلى المدينة، وقد عزلوا من غنيمتهم الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، ويعد عمرو بن الحضرمي أول قتيل في الإسلام، وعثمان والحكم أول أسيرين في الإسلام.
وقد أنكر رسول الله ﷺ ما فعلوه لأنهم اعتدوا في شهر حرام، وقال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، ومنع التصرف في العير والأسيرين ثم ردها لأصحابها١.
إن توجه هذه السرايا كان لجهات متعددة ولقبائل مختلفة، ولأماكن تنوعت بين البداوة، والتقدم مما يؤكد دقة التخطيط ويقظة القيادة، والعمل الدءوب لخدمة الإسلام والمسلمين.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٦٠٢.
[ ٢٤٩ ]