أقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب الأنصاري سبعة أشهر حتى أقام بيوتًا لزوجاته ﵅.
وقد أسس النبي ﷺ تسعة بيوت حول المسجد في الجهة الجنوبية والشرقية والشمالية.
وقد أخذ النبي ﷺ في تأسيسها بعد الهجرة، واحدًا بعد الآخر فبنى أولا بيتًا لسودة بنت زمعة، كما بنى بيتًا ثانيًا لعائشة بنت أبي بكر ﵄، فهما زوجتاه حين الهجرة وبعد ذلك كان ﷺ كلما أحدث أهلا بنى بيتًا، واستمر هكذا حتى بنى سائر البيوت، وعددها تسعة.
والأرض التي أقيمت فيها البيوت كانت مملوكة لحارثة بن النعمان الخزرجي ﵁ وكان يتنازل لرسول الله ﷺ عن الأرض بقدر الحاجة، فكلما بنى النبي بزوجة تنازل الحارث لرسول الله عن أرض لإقامة بيت لها فيه!!
وأول البيوت تأسيسا هو بيت سودة وثانيها هو بيت عائشة الذي يلي الروضة مباشرة من جهة الشرق، وفيه دفن رسول الله ﷺ وهو الذي يعرف الآن بالحضرة النبوية وقد أقيم فوقها قبة خضراء بعد وفاته ﷺ وبعدها كان بيت سودة بنت زمعة ﵂ ملاصقًا لبيت عائشة من جهة الشرق، وقد بنى النبي ﷺ بيتًا لابنته
[ ٩٧ ]
فاطمة حين تزوجها ابن عمها علي ﵁ في شمال بيت عائشة عن يسار المصلى إلى القبلة في الروضة الشريفة، أي أنه كان خلف بيت عائشة، وقد اتخذ النبي ﷺ طريقًا إلى بيت فاطمة يعرف بخوخة علي حيث كان يأتي بابها كل يوم، ويأخذ بعضادتيه ويقول: "الصلاة، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " ١.
يقول عمر بن علي بن الحسين ﵁: كان في بيت فاطمة كوة إلى بيت عائشة ﵂، فكان رسول الله ﷺ إذا خرج اطلع من الكوة إلى فاطمة وعلي يعلم خبرهم٢.
وقد توزعت بيوت أزواج النبي ﷺ حول مسجده فلقد أقيم بيت زينب بنت خديجة الهلالية شرق بيت فاطمة وشمال بيت سودة ﵅.
كما أقيم بيت زينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش إلى الشرق من بيت سودة وزينب الهلالية وأقيم بيت حفصة بنت عمر أمام بيت عائشة من جهة الجنوب وقد أقيمت الحجر الباقية خلف المسجد من الجهة الشمالية، والشمالية الغربية المواجهة للقبلة وتعرف هذه البيوت ببيوت النبي، أو بيوت أزواج النبي، أو حجر النبي ﷺ.
وكان البيت مكونًا من حجرة وفناء، حيث حوائط الحجرة من جريد النخل المغطى من الخارج بالشعر والوبر، والمطين من الداخل، وللحجرة باب يفتح على الموجود أمامها وللبيت باب مرتبط بالخارج.
وقد بلغت مساحة كل واحدة من الحجرة والفناء ثمانية أذرع طولا، وعرضًا، وبذلك بلغ الطول ستة عشر ذراعًا أني أن مجموعهما معًا كان مائة وثمانية وعشرين ذراعًا.
ويبدو أن مساحة البيوت لم تكن واحدة لأن خمسة منها كان مكونًا من فناء فقط.
يقول عمران بن أنس: ترك النبي ﷺ أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جريد وخمسة أبيات مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر، أي أنها لم تكن على
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية ٣٢. ٢ رحلة المحبين إلى سيد المرسلين ص١٦٢.
[ ٩٨ ]
مساحة واحدة١.
يروي ابن سعد في طبقاته: أن حوائط بيوت النبي ﷺ كانت مكونة من جريد مطين بالطين، وسقفها من الجريد، وأبوابها من خشب العرعر الذي كان ينبت في بلاد العرب وللباب حلقة من ساج٢.
وقد استدل بعض العلماء بما ورد من أن الصحابة كانوا ينقرون باب النبي ﷺ بأظافرهم على أن الأبواب لم تكن بها حلقة، إلا أن الظاهر من قوله بأظافرهم أن الصحابة ﵃ كانوا يفعلون ذلك تأدبًا مع رسول الله ﷺ مخافة إزعاجه إذا ضربوا بأيديهم على الحلقة.
وكانت الحجرة متوسطة الارتفاع، ينال الواقف فيها السقف بيده، وكانت بسيطة الفرش.
وقد أعد النبي ﷺ مكانًا خلف بيت فاطمة من جهة الشمال وجعله لمبيت الفقراء وهو المعروف بمكان الصفة.
أمر الوليد بن عبد الملك واليه على المدينة عمر بن عبد العزيز بهدم حجر أزواج النبي ﷺ وضمها للمسجد فبكى أبناء الصحابة وقالوا: ليتها تركت ولم تهدم حتى يطلع الناس على البناء، ويروا ما رضي الله لنبيه ﷺ، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده٣.
ولعل في هدم الحجرات أسبابًا من أهمها عدم الحاجة إليها، وللاستفادة بها في توسعة المسجد، وحتى لا يتخذها المسلمون مزارًا يعبد، ولذلك لم يؤثر عن أحد من التابعين إنكارا، ولم يحدث أن عارض عمر بن عبد العزيز الأمر إليه بالهدم وهو من هو؟ إنه عمر بن عبد العزيز، وكفى!! لقد رضي بالهدم، ولم ينكر.
وعن عبد الله بن زيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ، حين هدمها عمر بن عبد العزيز والي المدينة بأمر الوليد، كانت بيوتًا باللبن وبها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددها تسعة بيوت، وهي ما بين بيت عائشة ﵂
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٥٠٧. ٢ طبقات ابن سعد ج١ ص٤٩٩. ٣ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٥٠٧.
[ ٩٩ ]
إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ.
ورأيت بيت أم سلمة وحجرتها من لبن فسألت ابن ابنها: من بناها؟
فقال: لما غزا رسول الله ﷺ غزوة دومة الجندل بنت أم سلمة حجرتها بلبن، فلما قدم رسول الله ﷺ نظر إلى اللبن فدخل عليها فقال: ما هذا البناء؟
فقالت: أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس.
فقال: "يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان" ١.
وعن الحسن البصري قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ، في خلافة عثمان بن عفان، فأتناول سقفها بيدي٢.
وقد كان الحسن صغيرًا آنذاك فإنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وليس له عند المحدثين سماع من عثمان مما يدل على انخفاض السقف٣.
ثم إن هذا الارتفاع لحجراته ﷺ وهو أن الواقف يتناول سقفها بيده، هو الذي تثبته النصوص، ولقد سبق أنه ﷺ جعل ارتفاع مسجده على هذه الوتيرة، وما كان ليجعل حجراته أعلى من المسجد، وقد قال ﷺ في شأن البنيان: "النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه" ٤.
وقد بقيت أمهات المؤمنين، بعد وفاة رسول الله ﷺ كل في حجرتها على هيئتها التي بنيت عليها ما عدا عائشة ﵂ فإنها لما أذنت بدفن عمر بن الخطاب ﵁ بجوار أبيها أقامت جدارًا داخليًا قسم بيتها إلى قسمين هما:
القسم الأول: هو الفناء، ويضم القسم الجنوبي من البيت وفيه دفن النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر ﵄.
القسم الثاني: وهو الحجرة ويقع شمال القسم الأول، وهو الذي اتخذته عائشة ﵂ بيتًا لها.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص٤٩٩. ٢ طبقات ابن سعد ١/ ٥٠٠. ٣ التهذيب ٢/ ٢٦٣ رقم ٤٨٨. ٤ سنن الترمذي كتاب صفة القيامة باب ٤٠ ج٤ ص٦٥٠ وقال حسن غريب.
[ ١٠٠ ]
واستمر الحال على هذا الوضع حتى هدمت البيوت جميعا في عهد الوليد بن عبد الملك.
صفحة إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟
[ ١٠١ ]