تحركت سائر القوى بعد انتصار بدر، وشعر أعداء الإسلام أن الدائرة آتية عليهم لا محالة، فنشطوا في عدوانهم عساهم يحققون لأنفسهم شيئًا من المهابة والقوة.
وأدرك رسول الله ﷺ كل ما يحيط به، وبالمسلمين، فأرسل عيونه إلى كل الجهات التي يوجد فيها أعداء الله، ليحيط بكيدهم عند بدء ظهروه.
وقد رأينا جدوى هذه العيون، حيث كان رسول الله ﷺ ومعه بعض أصحابه يفاجئون الأعداء وهم في مرحلة التجميع، والإعداد لمهاجمة المسلمين، الأمر الذي جعلهم يتفرقون، ويفرون في الجبال والوديان.
[ ٣١٧ ]
وكان من أهداف القرشيين ضم كافة الأعراب إلى صفهم وتحويل كافة اليهود ليتحركوا معهم بعد بدر، لكنهم لم يحققوا كل ما يأملون بسبب ما قام به الرسول ﷺ من غزوات بعد بدر.
وكان الرسول ﷺ خلال هذه المدة يهتم بنشر الدعوة، وتعليم أصحابه ما ينزل عليه من وحي الله تعالى، ومن أهم ما عرفهم به، وعاشه معهم صوم رمضان، والفرحة بعيد الفطر، وصلاة السفر والحضر، وما يتصل بكل ذلك من أحكام، كما شرع للمسلمين في هذه المدة أحكام المعاقل والديات حيث دعت الحاجة لمعرفة حكم الله تعالى فيها.
وكان ﷺ يدعو من يلقاه إلى الإسلام ويهتم بتعليم من يدخل الإسلام، ويكله إلى بعض إخوانه ليفقهه في الدين.
وبرغم قصر المدة بين بدر وأحد فإنها امتلأت بالنشاط والحيوية، والعمل لخدمة الدعوة، وتطبيق شرع الله في الحياة الشخصية، والاجتماعية.
لقد كان حرص رسول الله ﷺ واضحًا في إبراز قوة المسلمين، وإدخال الهيبة والخوف في قلوب الأعداء، ولذلك كان ﷺ يذهب بنفسه قائدًا للمسلمين، ويقيم مدة في ديار القوم، إعلانًا لقوة المسلمين، وإظهارًا لشريعة الله تعالى، وتبليغًا للدين بطريقة عملية لقد تعلم المسلمون خلال هذه الغزوات القصر أثناء السفر، واستفادوا ضرورة الطاعة لله ورسوله وعلموا أحكام الفيء كما تعلموا أحكام الغنيمة من قبل، وتعامل رسول الله ﷺ مع يهود بني قينقاع بما يستحقون فقاتلهم، وأجلاهم إلى "أذرعات" وأمر بقتل كعب بن الأشرف لظهور عداوته، وإصراره على إيذاء المسلمين، ومهاجمة الإسلام، والعدوان على الأعراض، والأموال.
ومع كل هذه الأحداث باشر الرسول ﷺ والمسلمون معه حياتهم، ومعاشهم بصورة طبيعية فدخل رسول الله ﷺ بعائشة ﵂، وتزوج حفصة بنت عمر ﵂ كما تزوج ﷺ زينب أم المساكين خلال هذه المدة مما يدل على أن الزواج كان لغايات سامية تخدم الدعوة، وتنشر القيم والأخلاق.
[ ٣١٨ ]
كما زوج ابنتيه فاطمة وأم كلثوم لعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ﵃، وبذلك قرب إليه أربعة من مستشاريه الكبار، وهم: أبو بكر والد عائشة، وعمر والد حفصة، وعثمان زوج أم كلثوم، ورقية من قبلها، وعلي بن أبي طالب زوج فاطمة ﵃ أجمعين.
ولقد ساهمت هذه الغزوات في تعريف المسلمين بأعدائهم وأماكن تواجدهم، وطريقتهم في الكر والفر، كما أكدت لهم أن الأعداء لم يهدءوا بعد بدر، وإنما أخذوا في العمل للتغلب على القوة الإسلامية بكل ما أمكنهم من حيلة وعمل، ولذلك لم يتمكن الأعداء من نيل غرة في المسلمين، يفاجئوهم خلالها بالعدوان وبخاصة أن القضاء على الإسلام والمسلمين في المدينة أصبح هدفًا أساسيًا لسائر الأعداء، الأمر الذي جمع بينهم، وجعلهم يأتون إلى المدينة محاربين حيث كانت غزوة أحد.
[ ٣١٩ ]