لم تغرب شمس يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من العام الثاني للهجرة إلا وقد تم النصر لجند الله في بدر، وتأكد المسلمون المجاهدون من نصر الله تعالى، بعدما رأوا الملائكة تنزل عليهم في صورة بشرية، معونة، وتثبيتًا، وأسفرت المعركة عن هزيمة ساحقة لكفار مكة، وانتصار كبير للمسلمين، وكان لهذا النصر صدى واسع في الجزيرة العربية كلها.
وقد لقي سبعون من صناديد مكة مصرعهم في بدر، وعلى رأسهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيدة والعاص ابنا سعيد بن العاص، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم من القادة والزعماء كما أسر منهم سبعون آخرون١.
وفر الباقون إلى مكة تاركين وراءهم الأموال وكثيرًا من الإبل، والخيل التي كانت في صحبتهم.
وقد حفر المسلمون قليبًا، دفنوا فيه قتلى المشركين، بعدما أمرهم ﷺ بإلقائهم فيه دفعة واحدة.
ذلك أن رسول الله ﷺ كان إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه، لا يسأل عنه، مؤمنًا كان أو كافرًا، احترامًا لإنسانيته، وإلقاء القتلى في القليب من هذا الباب، إلا أنه ﷺ كره أن يشق على أصحابه بكثرة جيف الكفار أن يأمر بدفنهم، واحدًا، واحدًا، فرأى أن دحرجتهم إلى القليب جملة أيسر عليهم وعلى المسلمين فأمر به، وبخاصة أن نتن الجيف قد انتشرت لبقائها في العراء مدة ليست قليلة.
وقد أمر النبي ﷺ بإلقاء القتلى جميعًا في القليب بأجسادهم، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل جسده وتقطع، فأهالوا عليه التراب حيث هو، ووقف الرسول على القليب ثم قال: "يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري. كتاب المناقب. باب في غزوة بدر ج٦ ص٢٥٠.
[ ٢٨٠ ]
قد وجدت ما وعدني ربي حقًا؟ بئس القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس".
قال المسلمون: يا رسول الله تنادي قومًا قد ماتوا؟
قال ﷺ: "قد علموا أن ما وعدهم ربهم حق" ١.
وقال السدي عن مقسم عن ابن عباس: وقف رسول الله ﷺ على قتلى بدر فقال: "جزاكم الله عني من عصابة شرًا فقد خونتموني أمينًا، وكذبتموني صادقًا"، ثم التفت إلى أبي جهل فقال: "هذا أعتى على الله من فرعون، إن فرعون لما أيقن بالهلكة وحد الله، وإن هذا لما أيقن بالهلكة دعا باللات والعزى".
وأما الأسرى والجرحى فقد اهتم بهم رسول الله ﷺ وأخذهم إلى المدينة، وفرق الأسرى على أصحابه لإعالتهم، ورعايتهم وقال لهم: "استوصوا بالأسارى خيرًا". وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى.
يقول أخو مصعب: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غذاءهم، وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحيي فأردها على أحدهم فيردها علي ما يمسها.
وقد استشهد من المسلمين أربعة عشر شهيدًا وهم ﵃:
١- عبيدة بن الحارث ﵁.
٢- عمير بن أبي وقاص ﵁.
٣- عمير بن الحمام من بني سلمة ﵁.
٤- سعد بن خيثمة من بني عمرو بن عوف من الأوس ﵁.
٥- ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة ﵁.
٦- مبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف ﵁.
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج٦ ص٢٤٩.
[ ٢٨١ ]
٧- عاقل بن البكير الليثي ﵁.
٨- مهجع مولى عمر حليف بني عدي ﵁.
٩- صفوان بن بيضاء الفهري ﵁.
١٠- بيضاء الفهري ﵁.
١١- يزيد بن الحارث من بني الحارث بن الخزرج ﵁.
١٢- رافع بن المعلى ﵁.
١٣- حارثة بن سراقة وهو ابن عمة أنس بن مالك خرج نظارًا، وهو غلام، فأصابة سهم فقتله ﵁.
١٤- عوف، ومعوذ ابنا العفراء وكان سنهما أربع عشرة سنة١ ﵄ وهؤلاء الشهداء منهم ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
وقد أحاط الله شهداء المسلمين بالخير، وميزهم بالفضل، وأحاطهم بالنعيم.
يروي البخاري عن رفاعة ابن رافع الزرقي ﵁، وكان من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟
قال ﷺ: "من أفضل المسلمين"، أو كلمة نحوها.
قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة٢.
وروى أبو داود وابن ماجه والطبراني بسند جيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اطلع الله تعالى على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٣.
وروى مسلم والترمذي عن جابر ﵁ أن عبدًا لحاطب جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا إليه فقال: يا رسول الله ﷺ ليدخلن حاطب النار، فقال: "كذبت لا يدخلها، فإنه قد شهد بدرًا والحديبية" ٤.
وفي الصحيح عن علي ﵁ في قصة كتاب حاطب وأن عمر بن الخطاب قال: يا رسول
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٧٠٦، ٧٠٨. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب باب شهود الملائكة بدرًا ج٦ ص٢٥٦. ٣ صحيح البخاري باب شهود الملائكة بدرًا ج٦ ص٢٥٧. ٤ صحيح مسلم باب فضائل حاطب ج١٩ ص٥٦.
[ ٢٨٢ ]
الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: "أليس من أهل بدر؟ ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، أو قال فقد وجبت لكم الجنة" ١.
وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: أصيب حارثة بن زيد ببدر فجاءت أمه إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى فترى ما أصنع؟
فقال ﷺ: "ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس" ٢.
وإنما استحق أهل بدر كل هذا الفضل؛ لأنهم قدموا أنفسهم لنصر دين الله تعالى، فجعل الله ذنوبهم بعد ذلك تقع مغفورة، كما أنهم لصفاء أرواحهم، وصدق إيمانهم لا يقع الذنب منهم إلا خطأ، وبصورة نادرة.
والمغفرة المذكورة تتعلق بأحكام الآخرة، وبحقوق الله تعالى، أما أحكام الدنيا وحقوق الناس فلا بد من استيفائها، وأدائها لأصحابهما بعدما حدثت.
ومن مواقف المسلمين في بدر ما حدث من عمير بن الحمام الأنصاري فلقد روى الإمام أحمد في مسنده أنه ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض".
فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟
فقال ﷺ: "نعم".
فقال عمير: بخ بخ.
فقال ﷺ: "ما يحملك على قولك بخ بخ"؟.
قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها.
قال ﷺ: "فإنك من أهلها".
فأخرج تمرات من قرته، فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم رمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج٦ ص٢٤٩. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج٦ ص٢٤٨.
[ ٢٨٣ ]